ترجمة الهدهد

دخلت المنطقة في مرحلة حبس أنفاس جماعي بعد تأجيل الوعيد الأمريكي بقصف البنية التحتية الإيرانية لثلاث مرات متتالية، ليصبح الموعد الجديد هو فجر الأربعاء، ما لم تحدث معجزة دبلوماسية في اللحظات الأخيرة.

ويبدو أن المخرج الوحيد المتاح حالياً يتمثل في مقترح التسوية الباكستاني، المدعوم من السعودية ومصر وتركيا، والذي يطرح هدنة لمدة 45 يوماً وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز أمام الملاحة الدولية مقابل استمرار المفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي، وفي المقابل جاء الرد الإيراني شبه الرسمي عبر "علي أكبر ولايتي" مستشار المرشد الأعلى "مجتبى خامنئي"، الذي حذر في تدوينة حادة من أن تهديدات "الرئيس الأمريكي الأحمق" بتدمير شبكة الكهرباء ستغرق المنطقة بأسرها في الظلام، داعياً القادة العرب لإدراك أن الخليج ليس ساحة قمار لـ "ترامب".

ويعد "ولايتي"، الطبيب المتخصص من جامعة "جونز هوبكنز" والسياسي المخضرم الذي أدار خارجية إيران لـ 16 عاماً، لاعباً محورياً في صنع القرار الإيراني وعضواً بارزاً في النخبة الاقتصادية والسياسية المقربة من الحرس الثوري.

وتكشف مواقفه التاريخية، خاصة صدامه الشهير عام 2013 مع "سعيد جليلي" حول إخفاقات الملف النووي، عن تعقيدات المشهد الداخلي في طهران؛ حيث يرى ولايتي أن الدبلوماسية هي فن الحفاظ على الحقوق دون استجلاب العقوبات، وهو تيار يتصارع مع رؤية "جليلي" الأكثر عناداً، هذا التباين داخل أروقة الحكم يثبت أن قرار إيران ليس حكراً على المؤسسة العسكرية وحدها، بل هو نتاج توازنات دقيقة بين أقطاب القوى والنفوذ.

ورغم الرد الإيراني المقتضب الذي رفض المقترح الباكستاني مشترطاً إنهاء الحرب ورفع العقوبات وبدء إعادة الإعمار، إلا أن وصف "ترامب" للموقف الإيراني بأنه "محترم لكنه غير كافٍ" يترك باباً موارباً للوساطة.

ومع ذلك يبدو أن ترامب قد وقع في "شرك التصعيد الذاتي"؛ فتهديداته التي حددت مستوى التوتر لم تنجح حتى الآن في كسر إرادة النظام الإيراني الذي لا يزال يعمل بآلياته المعتادة رغم الضربات الافتتاحية، كما أن تدمير البنية العسكرية لم يوقف زخات الصواريخ أو هجمات الوكلاء في لبنان واليمن والعراق، بل دفع طهران لاستبدال استراتيجية "الجوار الحسن" مع دول الخليج بسياسة هجمات ممنهجة تهدف لابتزاز جيرانها ودفعهم للضغط على واشنطن، مما نقل الصراع إلى مستوى دولي عجز فيه "ترامب" عن حشد تحالف عربي أو عالمي صلب.

إن الخطورة الحقيقية لـ "حرب الكهرباء" التي يلوح بها "ترامب" تكمن في أنها ستنقل المعركة من استهداف النظام إلى استهداف 90 مليون مواطن إيراني بشكل مباشر، وهو تصعيد لن يقف عند حدود إيران، فإيران تدرك ضعفها العسكري التقليدي وتستعيض عنه بـ "التصعيد المتكافئ" عبر استهداف مصادر الطاقة ومحطات تحلية المياه في دول الخليج التي تعتمد عليها بنسبة 90% لتوفير مياه الشرب، وإذا كانت الحروب السابقة قد استهدفت عصب الاقتصاد العالمي، فإن استهداف مياه الشرب والكهرباء لـ 60 مليون نسمة في الخليج يمثل حملة مباشرة ضد المدنيين، ستحول المنطقة بأسرها إلى بؤرة للأوبئة والعطش والظلام الشامل.

وبعيداً عن الجانب الإنساني المفجع لمثل هذا الهجوم، تظل الفائدة الاستراتيجية منه محل شك كبير؛ فمن غير المرجح أن يؤدي تجويع وتعطيش الشعب الإيراني إلى ثورة تطيح بنظام يقر "ترامب" نفسه بشرعيته عبر التفاوض معه.

كما أن التاريخ القريب يثبت أن العقوبات الإنسانية القاسية، كما حدث في تجربة "إسرائيل" مع غزة، لا تحقق مكاسب سياسية بل تكتفي بتحويل الدولة المعتدية إلى "كيان منبوذ" دولياً، والسؤال الجوهري الذي يتجاهله "صقور واشنطن" هو: إلى أي مدى يمكن لمواطني دول الخليج تحمل الظلام وشح المياه قبل أن تخرج شعوبهم إلى الشوارع مهددة استقرار أنظمتهم ذاتها، رداً على مغامرة أمريكية غير محسومة النتائج؟

المصدر: "هآرتس"/ "تسفي بارئيل"