ترجمة الهدهد
مقال رأي

تتردد أصوات الانتخابات في الأجواء حاملة معها السؤال المصيري المعتاد: لمن نصوت؟ ولعل الإجابة الأسهل والأكثر وضوحاً في هذه المرحلة هي تحديد من لا يستحق أصواتنا بالتأكيد.

إن التصويت لصالح أي حزب يدعم "بنيامين نتنياهو" لولاية ثانية ليس مجرد خيار سياسي، بل هو إعلان صريح وشرعنة كاملة للتهرب من المسؤولية؛ ففي الوقت الذي يضطر فيه "الجيش الإسرائيلي" لتمديد الخدمة النظامية، ويقضي فيه جنود الاحتياط جولات قتال لا تنتهي، لن يتردد "نتنياهو" لحظة واحدة في المقايضة بهؤلاء الجنود وبيعهم لضمان بقاء ائتلافه، إذ إن الكرسي والمنصب لديه يعلوان فوق أي اعتبار.

وتتجلى هذه الأنانية السياسية في استمرار سياسة التدفق المالي المباشر إلى حركة حماس عبر شاحنات الإمداد، وهو ما يجعل دعم "نتنياهو" بمثابة تواطؤ لدفن الحقيقة ومنع التحقيق في الإخفاق الكارثي ليوم 7 أكتوبر.

إن "نتنياهو" يعلم تماماً حجم الخطايا التي يرغب في إخفائها عن أعين أي لجنة تحقيق، بدءاً من مليارات الدولارات التي غُذيت بها حماس، والخوف المتردد من تصفية قادتها، مروراً بغض الطرف عن إدخال الإسمنت ومواد البناء لحفر الأنفاق، وصولاً إلى سياسة "احتواء الإرهاب" الواهية وتجاهل التحذيرات الاستخباراتية والتراخي العام، يضاف إلى ذلك إصراره على تثبيت المسؤولين الذين يتلقون المساعدات القطرية في مناصبهم، وتطبيع حالة الجنون المتمثلة في تلقي المقربين منه أموالاً سرية من دولة أجنبية، في مفارقة ساخرة تكشف أن من موّل حماس موّل هؤلاء أيضاً، والذين صمتوا مجبرين بعد كشف قضيتهم لإدراكهم سخافة اتهام الآخرين بالعمالة وهم يغرفون من الصندوق ذاته.

وعلى الصعيد الدولي، يعني التجديد لـ "نتنياهو" قبول وجود رئيس وزراء يستجدي القوى الخارجية لإنقاذه من ورطته القضائية والجنائية، وهو وضع مخزٍ أصبحت فيه حرية رئيس الوزراء الشخصية مرهونة بالتدخل الأجنبي، مما حوّله إلى أداة طيعة تماماً في يد "دونالد ترامب".

بسبب هذه التبعية، سُلبت من "إسرائيل" القدرة على اتخاذ قرار مستقل يحدد مكان أو حجم أو قوة الضربات في لبنان أو إيران أو غزة، ليرتكب "نتنياهو" المحظور التاريخي الذي طالما حذر منه جميع "القادة الإسرائيليين"، ألا وهو تحويل "إسرائيل" إلى مجرد محمية أجنبية.

إن الوطني الحقيقي، واليميني الصادق، لا يمكنه التضحية بالسيادة الوطنية على مذبح المصالح الشخصية لـ "نتنياهو"، الذي يعيد بغبائه السياسي تكرار الفصل الأسود من التاريخ حين استدعى يهود سذج وقصار نظر الرومان للتدخل في الشؤون الداخلية، فكانت النتيجة سقوط مملكة الحشمونيين وتحولها إلى مقاطعة رومانية، وهو الدرس الذي يتجاهله "نتنياهو" (ابن المؤرخ) ومؤيدوه في الائتلاف.

إن الاستمرار في هذا المسار هو ضرب من الجنون المطلق، فكيف يمكن قبول مواصلة دفع الملايين لحماية "طفيلي" يعيش في الشتات، أو إنفاق ما يقارب مليوني شيكل لترميم نوافذ منزل لا يسكنه أحد؟ إن دعم "نتنياهو" هو محاولة بائسة لتغطية الحقائق المرة، وتشجيع لنهج ملكي مستبد على طريقة لويس الرابع عشر وشعاره "الدولة هي أنا"، حيث الطائرة الرئاسية ملكه الخاص، والسائقون يهرّبون الزجاجات الفارغة ليلًا مقابل بضع بنسات، والبطانة المتملقة والحثالة تقتات على هذا الفساد.

لو كانت هذه على الأقل حكومة ممتازة، تضم وزراء أكفاء يضعون مصلحة الشعب أولاً، لربما التمسنا لها العذر بشيء من التسامح، لكن الواقع مغاير تماماً؛ وباختصار شديد، إن التصويت لـ "نتنياهو" اليوم هو استنساخ لسيناريو مايو 1977، ولكن بنسخة أكثر فساداً، وعفناً، ونتانة.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "جلعاد شارون"، نجل "إريئل شارون" رئيس وزراء العدو السابق