ترجمة الهدهد

يسعى "الكنيست الإسرائيلي" عبر مخططات مُحكمة ومتعددة الجوانب إلى تنفيذ حملة قتل جماعي وترحيل للفلسطينيين في الضفة الغربية نحو الأردن أو سوريا أو لبنان، مستغلاً حالة الصدمة والخذلان الدولي؛ بهدف "تطهير" الأرض من سكانها الأصليين.

ويرتبط هذا السلوك الفاشي مباشرة بعمليات الاستيلاء العنيفة على الأراضي والينابيع التي بدأت في التسعينيات، وسط حالة من الاستسلام "المجتمعي الإسرائيلي" للقدر، وكأن مثيري الشغب من المستوطنين مجرد "أسراب جراد" لا يمكن ردعها، وهو ما يُعيد إلى الأذهان العقلية الصهيونية الأولى التي وثقتها المؤرخة "أنيتا شابيرا" في سيرها التاريخية.

وتؤكد الكاتبة أن ما يُنشر في وسائل الإعلام عن إرهاب المستوطنين لا يُمثل سوى جزء بسيط من عشرات الهجمات والمضايقات اليومية التي تنفذها جماعة "كو كلوكس كلان" اليهودية، وهي هجمات منظمة تُعرف باسم هجمات "عَمُوك" (الجنون الهستيري)، وتجري تحت حماية مباشرة من "الجيش الإسرائيلي" الذي يعتدي على الفلسطينيين عند نقاط التفتيش لتسهيل مهام هذه الجماعات المظلمة.

ولا يتحرك هؤلاء المستوطنون الملثمون والمسلحون بمفردهم، بل يقف وراءهم مجتمع استيطاني متماسك ودافئ يوفر الدعم اللوجستي والمياه والماشية والتبرعات عبر مجالس إقليمية ومحلية، وحاخامات، وأخصائيين اجتماعيين، ومعابد يهودية؛ مما يتيح لهؤلاء المخربين وسارقي الأغنام طرد الفلسطينيين والاستيلاء على منازلهم.

ويتكامل هذا الدور مع جهاز شرطة يتجاهل نداءات الاستغاثة، وجنود يهرعون لاعتقال المعتدى عليهم، وخلفهم نظام قانوني أنيق يضم قضاة ومحامين شرعنوا "المستوطنات الزاحفة" منذ البداية، ثم يجلسون في بيوتهم يتباكون على الديمقراطية مستمتعين بامتيازاتهم وترقياتهم.

وامتداداً لهذا الحصار "القانوني"، خاضت المجموعات الرعوية الفلسطينية عقوداً من النضال ضد "الحكومات الإسرائيلية" و"الإدارة المدنية" ومفتشيها، الذين دأبوا على إصدار أوامر هدم وغرامات ضد أي خيمة، أو مقطورة، أو ترميم مسكن كهفي، أو حتى تركيب ألواح طاقة شمسية وتوصيل خطوط مياه، في حين يتبادل المستوطنون عبر مجموعات "واتساب" في تلال "جوغاند" صيحات الاستغاثة العبرية "جيوالد" عند توقيف أحد عناصرهم أو هدم بؤرة استيطانية سرعان ما تُعاد بناؤها، بينما يلوذ آلاف المخربين الآخرين بالفرار دون تقييدهم كـ"مشتبه بهم".

وفي الوقت الذي يمارس فيه "المجتمع الإسرائيلي" حياته اليومية المعتادة من التخطيط للسفر أو انتقاد الحاخام "كاف"، تستمر آلة الدمار الإسرائيلية في طحن مليوني فلسطيني في قطاع غزة، وتحديداً في ثلث مساحته البالغة 365 كيلومتراً مربعاً.

وتحت وطأة كثافة سكانية خلقها الشيطان، يسير هؤلاء "الموتى الأحياء" على عكازين وساق واحدة بين أكوام القمامة ومياه الصرف الصحي لجلب الماء أو انتظار قسيمة من منظمة الأغذية العالمية، محاولين التعايش وزراعة النعناع والفاصوليا وكتابة الشعر بين الخيام، قبل أن تطحنهم مجدداً "القنابل الإسرائيلية" المستمرة.

وفي ظل غياب أي إنذار دولي حقيقي يهدد بقطع العلاقات التجارية والعلمية مع "إسرائيل" أو منع دخول "الإسرائيليين"، فإن الكنيست والمستوطنين يترقبون أي رد فعل انتقامي فلسطيني مدفوع باليأس، أو حتى "حجراً" يقلب حافلة أطفال، ليتخذه "المجتمع الإسرائيلي" ذريعة للتوحد خلف الجيش، وإتمام عمليات القتل والتهجير الكبرى بذريعة "أننا الضحية وأننا تعرضنا للهجوم".

المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "عميرة هيس"