ترجمة الهدهد

وجدت "إسرائيل" نفسها في مأزق استراتيجي معقد الليلة الماضية، بانتظار قلق لرد إيراني محتمل وسط صراع علني ومرير مع حليفها الوحيد في العالم؛ وذلك نتيجة وقوع "صناع القرار الإسرائيليين" في فخ سياسي وعسكري أحكمت طهران صياغته، وتعامَل معه رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" ووزير الخارجية "إسرائيل كاتس" بمنطق "لعبة الداما" البسيطة لا "لعبة الشطرنج" المعقدة.

وتعود جذور الأزمة الحالية إلى أوائل مارس/آذار الماضي، عندما انتهك حزب الله اتفاق وقف إطلاق النار بأوامر مباشرة من طهران للانضمام إلى الحرب، وصولاً إلى إطلاق المنظمة طائرات مسيرة مفخخة "داخل إسرائيل" قبل ساعات قليلة من توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني.

وجاءت هذه الخطوة بمعرفة تامة من أمين عام الحزب نعيم قاسم وقائد الحرس الثوري الإيراني أحمد عاهدي بأن "الرد الإسرائيلي" سيكون في بيروت، وهو ما أرادته طهران تماماً لنصب فخ مزدوج لـ "تل أبيب".

ويتمثل الفخ الإيراني في وضع "إسرائيل" بين خيارين أحلاهما مر؛ فإما عدم الرد وبالتالي استباحة "الإسرائيليين" وحماية بيروت بظلال طهران، أو الرد العسكري على العاصمة اللبنانية -وهو ما حدث بالفعل- لتُتهم "إسرائيل" فوراً بإفشال "اتفاق السلام" المرتقب بين واشنطن وطهران، مما يمنح إيران الذريعة للقصف، ويكبل أيدي إسرائيل من قِبل الغرب المتعطش للسلام بأي ثمن، وهو ما جعل الرئيس "دونالد ترامب" يصرح علناً بأن نتنياهو لم يترك لنفسه أي خيارات أخرى.

ويكمن الخلل الهيكلي في إدارة المعركة في القرار الذي اتخذه "نتنياهو" منذ البداية بالتخلي عن مبدأ التاريخ اليهودي "الدفاع عن أنفسنا بقوتنا الذاتية" لصالح حرب مشتركة مع الولايات المتحدة؛ وهي شراكة لها ثمن باهظ يمنح القوة العظمى حق إنهاء الحرب عندما تقتضي مصالحها ذلك، شريطة أن تتقبل "إسرائيل" النتيجة وتتحمل العواقب بصمت، لكن نتنياهو رفض الانصياع لقواعد اللعبة التي فرضتها واشنطن بعدما استثمرت ثقلها العسكري والاقتصادي والسياسي.

ونتيجة لهذه المغامرة السياسية، تبدل مشهد المنطقة لصالح طهران؛ فبعد أن كانت تعاني في ديسمبر 2025 من انتفاضة شعبية وعزلة إقليمية وهزيمة عسكرية خاطفة في "حرب الأيام الـ 12"، أصبحت اليوم تتباهى بالخلاف العلني بين "إسرائيل" وحلفائها، وتضغط على دول الخليج لرفع التجميد عن حساباتها المالية وسط مؤشرات بقبول خليجي لهذه الضغوط، في وقت ينفد فيه صبر العالم -حتى الدول التي قصفتها طهران- من استمرار الحرب.

وفي المقابل، يسود الغضب والإحباط في "الشارع الإسرائيلي" الذي يرى في التنازلات الأمريكية ضعفاً في مواجهة المؤامرات الخبيثة للجمهورية الإسلامية وحزب الله الملتزمين بتدمير "إسرائيل"، في ظل حكومة لا تجيد سوى إطلاق الشعارات وإصدار أوامر الهجوم دون امتلاك أي استراتيجية سياسية أو رؤية واضحة للتعامل مع التهديدات.

واختتم الكاتب مقبسه بالاستعانة ببيت الشاعر الصهيوني "شاؤول تشيرنيخوفسكي": "انظر يا أداما (أيتها الأرض)، كم كنا مسرفين!"، للإشارة إلى حجم التضحيات الباهظة والدماء التي بُذلت من أجل بقاء المجتمع اليهودي "اليشوف"، محذراً من أن استمرار غياب القيادة الحكيمة والذكاء السياسي سيؤدي حتماً إلى استمرار هذا الهدر الفادح في الأرواح والمنجزات الاستراتيجية.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "نداف إيال"