ترجمة الهدهد

حذّر الكاتب من التداعيات الاستراتيجية العميقة للواقع الأمني الجديد الذي فرضه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" على كيان العدو، مؤكداً أن "ترامب" -الذي يتقن فن التملص من الإفلاس واختصار الطرق- حوّل "إسرائيل" من حليف استراتيجي إلى "تابع" يُستغل دون أخذ رأيه في الحسبان، ومهمته تقتصر على الطاعة؛ وذلك بعد أن فرض على "تل أبيب" وقفاً غير مريح لإطلاق النار في غزة ولبنان وإيران، وتدخل مباشرة في عملية "شعب كالأسد" عبر إجبار طائرات سلاح جو العدو على تغيير مسارها وهي في طريقها لقصف المنشآت الإيرانية.

وتعود بذور هذه الانتكاسة السياسية إلى التباين الجوهري في أجندة الحرب؛ فبينما راهن رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" على "ترامب" لتدمير المنشآت النووية وصناعة الصواريخ وتفكيك الحلفاء وإسقاط النظام الإيراني، اقتصر هدف واشنطن على تدمير اليورانيوم المخصب وتقديم دعم معنوي للاحتجاجات.

وتفاقمت الفجوة في اجتماع البيت الأبيض يوم 11 فبراير الماضي، ليعقبه اجتماع حاسم في 12 فبراير بغياب "نتنياهو"، رفض فيه نائب الرئيس "جي دي فانس" ووزير الخارجية "ماركو روبيو" ورؤساء الأجهزة الأمنية "الخطة الإسرائيلية" قاطعةً، ليصاب "ترامب" بالذعر ويقطع العلاقات بعدما تبين له أن النظام الإيراني لن ينهار.

وانتقد "برنيع" حالة الغرور والنشوة التكتيكية التي اجتاحت "النظام الإسرائيلي" و"الجيش"، وكيانه التقديرات الاستخباراتية في أروقة "المخابرات العسكرية" و"الشاباك" و"الموساد"؛ حيث عجز الجميع عن توقع بقاء النظام الإيراني وازدياد قوته، لاسيما وأن أحداً لم يجرؤ على التشكيك في التوجهات الرسمية خوفاً من الوقوع ضحية لـ"وسائل الإعلام المسمومة" والاتهام بالخيانة واليسارية، مما أصاب النقاش الجوهري بالشلل التام ودفع "نتنياهو" لالتزام الصمت بدلاً من الاعتراف بالفشل أمام شعبه.

وامتد هذا الغرور الاستراتيجي إلى الجبهة اللبنانية؛ حيث أقنعت عملية "السهم الشمالي" صناع القرار بأن حزب الله على وشك الانهيار، لتدفع قيادة الجيش بفرقها العسكرية إلى جنوب لبنان في الثاني من مارس الماضي دون مراعاة لخطر الطائرات المسيرة، مما أسفر عن تشريد مليوني نازح دون تحقيق الأمن، بل إن الحزب بُعث من جديد، في حين تواصل "إسرائيل" قصف أبراج الضاحية الجنوبية لبيروت لا لدواعي عسكرية، بل برغبة من "نتنياهو" ليثبت لناخبيه اليمينيين أنه لا يطيع أوامر واشنطن طاعة عمياء، وهي مناورة خطيرة قد تدفع ترامب المتقلب تماماً إلى أحضان الإيرانيين.

واختتم الكاتب مقبسه بمقارنة سيكولوجية تظهر نتنياهو كنقيض لـ "ترامب"؛ فالأول لا يجيد التراجع أو إنهاء الصراعات، مما أغرق الكيان في وحل الترسخ العسكري في سوريا، والتآكل المستمر في غزة، والاحتلال الزاحف في لبنان، ليرسخ واقعاً يواجه فيه "الجيش الإسرائيلي" إنهاكاً لأقصى حد مع فقدان جنود الاحتياط لتركيزهم، وسط مزايدات سياسية من قادة المعارضة اليمينية تزيد الوضع سوءاً، لتتأرجح "السياسة الأمنية الإسرائيلية" اليوم بين خيارين: أرجواني يمثله "نتنياهو" وأحمر يمثله "ترامب"، مؤكداً أنه لم يعد أمام إسرائيل من خيار سوى الانصياع للخيارات الأمريكية.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "ناحوم برنيع"