دور قوة الاستقرار التي تعمل الولايات المتحدة على إقامتها هو، وبمجرد وجودها في الميدان، تقييد كلٍّ من "إسرائيل" وحماس وإعاقة أي تصعيد. في هذه الأثناء يلمّح نتنياهو علنًا إلى أنه يعرقل أيضًا الانتقال إلى المرحلة ب’، والشركاء العرب للولايات المتحدة يرونه طرفًا لن يسمح بأي تقدم نحو دولة فلسطينية.

 هارتس
من المتوقع أن يصوّت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الليلة (بين الاثنين والثلاثاء) على مشروع القرار الأميركي بشأن قطاع غزة، جوهر القرار هو منح شرعية رسمية لإنشاء قوة الاستقرار الدولية التي ستعمل في القطاع.

وقد عُرض المقترح على أعضاء المجلس قبل نحو أسبوعين، ومنذ ذلك الحين عدّله الأميركيون مرتين، التعديلات جاءت لتلبية بعض المطالب التي طرحتها الدول الشريكة الأساسية لواشنطن في ملف غزة. بعضها – مثل مصر وقطر وتركيا الموقّعات على “إعلان شرم الشيخ” – يشكّلن ضمانة رسمية لوقف إطلاق النار. وأخرى، مثل الإمارات والسعودية بل وحتى إندونيسيا، يُتوقّع أن تلعب أدوارًا مهمة في إنجاح العملية.

منذ بدء وقف إطلاق النار تعمل الولايات المتحدة مع هذه الدول على إنشاء قوة استقرار يُفترض أن تدخل غزة كضمانة لعدم تجدّد الحرب، ومن المفترض أن يكون دور القوة، بمجرد وجودها ميدانيًا، تقييد كلٍّ من "إسرائيل" وحماس وجعل التصعيد أصعب.

بحسب المقترح المطروح، ستُوكل إلى القوة خمس مهام رئيسية:
 1. المساعدة في حراسة الحدود.
 2. ضمان نزع سلاح القطاع عبر تدمير بنى تحتية إرهابية وإخراج أسلحة الفصائل المسلحة عن الاستخدام.
 3. حماية المدنيين والعمليات الإنسانية.
 4. تدريب قوات شرطة فلسطينية ودعمها.
 5. تنسيق وتأمين الممرات الإنسانية.

على الأقل ثلاثة من بنود المقترح تضع على عاتق قوة الاستقرار مهمة تقييد "إسرائيل". أي أن القوة ستتولى الدور الذي تمارسه الولايات المتحدة حاليًا. فلكي تستطيع القوة تأمين حدود القطاع، يجب أن تكون "إسرائيل" مستعدة للانسحاب إليها، ولكي تنسّق القوة الممرات الإنسانية وتحمي المدنيين والأنشطة الإنسانية، سيكون عليها التأكد – في مواجهة "إسرائيل" – من أن السلع والأشخاص يمكنهم التنقل داخل القطاع وإليه بأمان.

أما البند المتعلق بالتعامل مع حماس ونزع سلاحها فهو غامض ومن المتوقع أن يثير أسئلة كثيرة، أولها – هل يفترض أن يتم هذا التعامل بالتوافق، على غرار “إخراج الأسلحة من الخدمة” الذي قام به الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) في أوائل الألفية؟
قد تبدو هذه الإمكانية شبه خيالية في الشرق الأوسط، لكنها على الأرجح الخيار الوحيد الممكن: فلا دولة عربية أو مسلمة ستوافق على المشاركة في قوة تنزع سلاح حماس بالقوة.

ولكي تبدأ الإجابة عن هذه الأسئلة، يجب على الولايات المتحدة أن تتجاوز العقبة الأولى في طريق تشكيل القوة: تمرير القرار في مجلس الأمن.

 وقد وضعت روسيا هذا الأسبوع عقبة إضافية عبر تقديم مشروع قرار خاص بها. المشروع الروسي أشار إلى قوة الاستقرار عرضًا فقط، وأسند مهمة إنشائها إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وبهذا كانت القوة ستصبح تابعة كليًا للأمم المتحدة، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة وبالأخص "إسرائيل".
وبحسب مصادر تحدّثت لصحيفة “هآرتس”، فإن المقترح الروسي يتبنى صراحة حل الدولتين ويزخر بصياغات تهدف إلى “ليّ ذراع” الولايات المتحدة، بدلًا من التلميحات الرقيقة حول إمكانية التقدم نحو تقرير المصير الفلسطيني، والتي تحرص عليها واشنطن لإرضاء حكومة نتنياهو.

أول أمس نشرت الولايات المتحدة بيان دعم مشترك لمشروع قرارها، وقّعت عليه عدة دول مسلمة، لإيضاح لروسيا ولغيرها من أعضاء المجلس أن الشرق الأوسط يقف خلف واشنطن. وقع على البيان الشركاء الرئيسيون لترامب في مشروع غزة: قطر، مصر، الإمارات العربية المتحدة، السعودية، إندونيسيا، باكستان، الأردن وتركيا.
وإضافة إلى دعم القرار، تضمّن البيان عبارة مهمة: الدول الموقعة تعرب عن ثقتها بأن المشروع الأميركي “يوفر إطارًا لتقرير المصير وللدولة الفلسطينية”، ويطرح رؤية قابلة للاستمرار للسلام والاستقرار “في المنطقة بأسرها”.

من الصعب تجاهل تزامن هذا البيان والتصويت المرتقب في مجلس الأمن مع الزيارة التاريخية لولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن. من المتوقع أن يلتقي ترامب بعد يوم من التصويت، في وقت تسعى فيه السعودية لانتزاع اتفاق دفاعي مع الولايات المتحدة ورغبتها في شراء مقاتلات F-35 الأميركية، التي تحتكرها "إسرائيل" حاليًا في الشرق الأوسط. وفي المقابل، يسعى ترامب إلى ضم السعودية إلى اتفاقات أبراهام.
وفي حديث مع صحفيين في نهاية الأسبوع، أشار الرئيس الأميركي إلى أنه يفحص الطلب السعودي، وأعرب عن أمله بانضمام السعودية “قريبًا”.

قد يكون البيان المشترك، من وجهة نظر الولايات المتحدة، بقدر ما هو رسالة إلى روسيا، بادرة تهدئة للدول العربية ذاتها – وعلى رأسها السعودية والإمارات.
في بداية الأسبوع وصف المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أنور قرقاش، خطة ترامب بأنها “غير مثالية ولكنها مهمة”. وأضاف أن بلاده “ليست مرجحة للمشاركة في قوة الاستقرار” في الظروف الحالية، لأنها لا ترى “إطارًا واضحًا” لعمل هذه القوة.

 ورغم أن مصادر أكّدت سابقًا أن الإمارات لا تعتزم نشر قوات عسكرية في غزة، فإن دورها اللوجستي والاقتصادي محوري وحاسم في دعم القوة.

من جهتها قالت مسؤولة رفيعة في وزارة الخارجية السعودية، منال رضوان، مطلع الشهر في مؤتمر بالبحرين إن “انسحابًا إسرائيليًا واضحًا ومحددًا زمنيًا” من غزة هو إحدى الخطوات التي تتوقعها الرياض في إطار المسار المؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية.

 وأضافت أن السعودية تتوقع كذلك خطوات لتحقيق وحدة بين الضفة الغربية وغزة تحت سلطة السلطة الفلسطينية.
وقال المحلل البحريني عبدالله الجنيد لـ”هآرتس” إن “مهما كان اللوبي الإسرائيلي وبعض الأطراف في إدارة ترامب يريدون رؤيته، فإن التطبيع (بين السعودية وإسرائيل) ليس مطروحًا. لن يحدث.”

ويبدو مع ذلك أن ترامب وإدارته لا يزالون يأملون بالاقتراب من الهدف، حتى لو تعذر تحقيقه مباشرة. فإشارات الانتقاد وخيبة الأمل والإحباط من الإمارات، إلى جانب رفع سقف المطالب من السعودية، يدفعان الولايات المتحدة إلى صياغة بيانات وقرارات أكثر “سخاء” تجاه الفلسطينيين، وتشجيع تسريع بناء قوة الاستقرار.

العقبة الأكبر حاليًا أمام الانتقال إلى المرحلة ب’ من خطة غزة وأمام أي اختراق سياسي – هي رئيس الحكومة "الإسرائيلية" بنيامين نتنياهو.
الشركاء العرب للولايات المتحدة يرونه طرفًا سيعرقل أي تقدم نحو دولة فلسطينية. وبالتوازي، يلمّح نتنياهو علنًا إلى أنه يعرقل حتى الانتقال إلى المرحلة ب’:
حلّ أزمة مسلحي حماس العالقين شرق “الخط الأصفر” في رفح لا يبدو قريبًا، رغم أن مصادر تقول إن وعودًا أميركية نُقلت لحماس في هذا الشأن مقابل إعادة جثمان الجندي هدار غولدين. كما “يصرّ المستوى السياسي” على عدم فتح معبر رفح – بحسب مصدر أمني تحدث إلى “هآرتس” هذا الأسبوع – رغم أن فتح المعبر الوحيد غير الخاضع "لإسرائيل" كان جزءًا من المرحلة الأولى في الاتفاق.

في هذه الأثناء، تُدار في مركز التنسيق المدني–العسكري في كريات غات مفاوضات يومية بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" بشأن كمية المساعدات الإنسانية المسموح إدخالها للقطاع، وكذلك بشأن المواد المسموح بدخولها.
وبحسب دبلوماسي تحدث مع “هآرتس”، فإن هذه المفاوضات ودّية بين شريكين، وتنتهي دائمًا بتسويات.
لكن هذا “الرقص الغريب” لا يمكن أن يستمر طويلًا، بينما كل الأطراف تقف على حافة هاوية في غزة، من دون أفق يمكن التقدم نحوه معًا.