الجبهات المتعددة..بين الضربات الميدانية والأجندات السياسية
شبكة الهدهد
١. غزة: الضغط العسكري والإنذارات السياسية
شهد يوم السبت ٣ يناير ٢٠٢٦ تصعيداً ملحوظاً في القطاع، حيث ركزت العمليات العسكرية "الإسرائيلية" على مناطق متفرقة، لا سيما في خانيونس شرقاً وغرباً. القصف المدفعي والغارات الجوية طالت أحياء سكنية ومخيمات، مما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى، بينما شهدت مناطق أخرى تشييع شهداء قضوا برصاص الاحتلال.
على الصعيد السياسي، يبدو أن "إسرائيل" تضع حماس أمام خيارين صعبين: نزع السلاح طوعاً أو المواجهة العسكرية. التهديد بإعطاء مهلة ثم التدخل عسكرياً لتنفيذ نزع السلاح يظهر توجهاً نحو فرض حلول أحادية، وهو ما ناقشه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ومع ذلك، يبرز تحدٍ كبير يتمثل في غياب بديل أمني واضح، حيث أظهرت دول أخرى عدم رغبتها في المشاركة في "تفكيك حماس"، مقصرة دورها على المساعدة في أعمال الشرطة فقط.
من ناحية أخرى، تلوح في الأفق انفراجة محتملة فيما يتعلق بمعبر رفح، حيث تشير التقارير إلى توجه لفتح المعبر تحت ضغط أمريكي، مع إقامة نقطة تفتيش "إسرائيلية" في الجانب الفلسطيني.
٢. الضفة الغربية: استيطان ومصادرات واستهداف للمقدسات
شهدت الضفة الغربية تصاعداً في وتيرة عمليات الاستيطان والاقتحامات العسكرية، حيث انتشرت المواجهات في عدة بلدات وقرى. لكن التطور الأبرز خطورة جاء من الخليل، حيث أقدمت "إسرائيل" على سابقة تاريخية بمصادرة ١٠٪ من مساحة الحرم الإبراهيمي ونقلها للملكية الإسرائيلية، بهدف تسقيف ساحة الصلاة اليهودية داخله. هذا القرار يمثل انتهاكاً صارخاً للوضع القائم وللأماكن المقدسة، وقد يفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية ودينية خطيرة.
في الوقت نفسه، تصاعدت هجمات المستوطنين في مناطق متفرقة، حيث سجلت إصابات بين المدنيين، بينهم أطفال أصيبوا بالاختناق جراء اعتداءات في بيت لحم. كما نفذت القوات "الإسرائيلية" حملة اعتقالات واسعة شملت نحو 100 فلسطيني، ومصادرة أموال تقدر بمليون شيكل وعشرات الطائرات المسيرة.
٣. لبنان: على حافة المواجهة الشاملة
تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن الجبهة الشمالية على شفا مواجهة عسكرية كبرى. الغارات الإسرائيلية المتكررة على مواقع في جنوب لبنان، واستهداف مجمعات تدريبية وبنى تحتية عسكرية، ترافق مع تقارير عن نية "إسرائيل" القيام بعملية عسكرية واسعة ضد حزب الله.
وقد حصلت "إسرائيل" على "ضوء أخضر مشروط" من الإدارة الأمريكية، حيث لا يعارض الرئيس ترامب مثل هذه العملية لكنه طلب من نتنياهو "التريث" لإتاحة فرصة للحوار مع الحكومة اللبنانية. ومن المقرر أن ينعقد الكابينت الإسرائيلي يوم الخميس المقبل لمناقشة هذه العملية العسكرية المقترحة.
٤. المشهد السياسي الإسرائيلي: أزمة داخلية غير مسبوقة
يواجه المشهد السياسي "الإسرائيلي" حالة من الغليان الداخلي، حيث تتصاعد الاتهامات بين الشخصيات السياسية والأمنية البارزة. وصلت حدة الانقسام إلى دعوات علنية للعصيان المدني، حيث دعا رئيس الوزراء السابق إيهود باراك قادة المعارضة إلى اتخاذ خطوات غير مسبوقة تشمل مغادرة البرلمان ومحاصرة الكنيست بالخيام لإسقاط الحكومة.
ووجه وزير الجيش السابق موشيه يعالون اتهامات خطيرة لنتنياهو بتلقي أموال قطرية، واصفاً تمويل حماس بأنه "خيانة عظمى" أضرت بأمن إسرائيل. هذه الاتهامات تعكس عمق الأزمة التي يعيشها النظام السياسي "الإسرائيلي، "وتشير إلى شرخ عميق في بنية اتخاذ القرار.
٥. الأبعاد الإقليمية والدولية
على الصعيد الإقليمي، تشير تقديرات استخباراتية "إسرائيلية" إلى أن الاحتجاجات الجارية في إيران تشكل تهديداً حقيقياً لاستقرار النظام هناك، حيث تعتبر أوسع نطاقاً من موجة الاحتجاجات السابقة في 2022.
أما على الصعيد الدولي، فتواجه "إسرائيل" ضغوطاً متزايدة من منظمات حقوقية ودولية، حيث انتقدت منظمات مثل "أطباء بلا حدود" ومسؤولون في الأمم المتحدة إجراءات إسرائيل التي تعيق العمل الإنساني، كما أدانوا التشريعات المقترحة التي تسمح "بإعدام الفلسطينيين" في ظروف معينة.
خلاصة تحليلية
يوضح مشهد اليوم أن المنطقة تمر بلحظة تحول حاسمة، حيث تسعى الحكومة "الإسرائيلية" لاستثمار الدعم الأمريكي لفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء في غزة من خلال نزع سلاح حماس، أو في الضفة الغربية عبر مصادرة أجزاء من الأماكن المقدسة. لكن هذه الإستراتيجية تصطدم بتحديات داخلية عميقة، وتوترات إقليمية متصاعدة، وضغوط دولية متزايدة.
القرارات المتخذة في الأيام والأسابيع القادمة، سواء فيما يتعلق بالجبهة اللبنانية أو الوضع في الضفة الغربية وغزة، ستحدد ملامح المرحلة القادمة التي تلوح في أفقها مواجهات قد تكون أكثر حدة وتعقيداً من كل ما سبق.