ترجمة الهدهد
جاكي خوري
18 مارس 2026
إن مقتل عائلة بني عودة - الأبوين وطفليهما - في طمون هذا الأسبوع على يد قوات حرس الحدود ليس مجرد حادثة أخرى في سلسلة العنف في الضفة الغربية، بل هو بمثابة مرآة تعكس الواقع للفلسطينيين و"الإسرائيليين"، وتجبرهم على التساؤل: إلى أين وصلنا؟ أما بالنسبة للفلسطينيين، فيبدو أنهم وصلوا إلى مفترق طرق لا مخرج منه.

فقد انهارت المسارات الثلاثة الرئيسية التي حددت الاستراتيجية الفلسطينية في العقود الأخيرة: الكفاح المسلح، والمفاوضات السياسية، والاعتماد على القانون الدولي.


لقد جلب الكفاح المسلح، الذي تُعرّفه الرواية "الإسرائيلية" بالإرهاب، كارثةً حقيقيةً للمجتمع الفلسطيني، لا سيما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

من جهة أخرى، لم تُفضِ المفاوضات السياسية منذ أوسلو إلى قيام دولة فلسطينية، بل على العكس تمامًا، فقد حوّلت منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية إلى كيانين ضعيفين، تابعين، وغير فاعلين.

ويبقى خيار القانون الدولي مجرد أداة خطابية تُستخدم لإصدار تصريحات. وفي هذا المثلث، وتحت وطأة التفوق العسكري والاقتصادي "الإسرائيلي"، يجد الفلسطينيون أنفسهم عالقين، وتتدهور أوضاعهم باستمرار.


إن الشعور السائد في الضفة الغربية اليوم ليس غضباً يدفع إلى الرغبة في الثورة، بل إرهاقاً يدفع إلى الرغبة في البقاء. فإذا كان حدثٌ كهذا الذي وقع في طمون يُشعل في الماضي شرارة المظاهرات والاشتباكات ويؤدي إلى تصعيد واسع النطاق، فإن ردة الفعل اليوم هي صمت ثقيل، يكاد يكون لامبالاة، ينبع من اليأس.

في "إسرائيل"، نستنتج من هذا أن الفلسطينيين قد هُزموا. هنا: لا مقاومة تُذكر، ولا قيادة فعّالة ، ولا ضغط دولي. سيزعم البعض أن الواقع قد استقر وفقاً

لرؤية اليمين المتطرف. ويرى البعض في هذا دليلاً على نجاح سياسة بنيامين نتنياهو الثابتة، التي تهدف إلى القضاء على القضية الفلسطينية. ويخلص آخرون إلى أن معسكر السلام قد فقد أخيراً صلته بالواقع.
لكن إذا كان الفلسطينيون قد هُزموا بالفعل، فلا بد لنا أن نتساءل: ما معنى هذا "النصر"؟ هل تحقق الاستقرار، أو الأمن الحقيقي، أم أنه مجرد الحفاظ على واقع متفجر، حيث يُقمع أحد الطرفين حتى الشلل، ويتوقف الطرف الظالم عن طرح الأسئلة ؟ حتى لو قبلنا الادعاء بأن الفلسطينيين "لم يُضيعوا فرصةً لإضاعة فرصة"، فإن ذلك لا يُعفي إسرائيل من مسؤوليتها عن الواقع الذي تُشكّله، ولا يُفسّر ما يحدث في المجتمع "الإسرائيلي".


بينما يكافح الفلسطينيون من أجل البقاء، يتسلل لامبالاة خطيرة إلى إسرائيل. من يهتم حقًا بما يحدث في غزة والضفة الغربية؟ إلى أي مدى لا تزال القضية الفلسطينية تُعتبر قضية محورية في السياسة "الإسرائيلية"؟ من يُسائل المتنافسين على السلطة بشأن هذه القضايا؟ لا أحد تقريبًا.


لا تُبشّر الانتخابات المقبلة بأي تغيير جوهري. فحتى لو لم يُشكّل بنيامين نتنياهو الحكومة المقبلة، فلن يُشكّل ذلك أي جديد سياسي.

سيقول المتفائلون: سنُغيّر الحكومة أولًا، ثم سنرى. لكن الواقعيين يُدركون أن المشكلة أعمق من ذلك. فهي لا تعتمد فقط على هوية رئيس الوزراء، بل على العمليات التي ترسخت في المجتمع الإسرائيلي: التطرف، وتطبيع واقع الاحتلال والفصل العنصري، والابتعاد عن أي أفق سياسي.
أولئك الذين يطالبون الفلسطينيين بالتغيير كشرط للتغيير، يجدر بهم أن ينظروا إلى داخل المجتمع الإسرائيلي. إن واقعاً يبقى فيه شعبٌ على قيد الحياة بدلاً من أن يعيش ، بينما يُصاب شعبٌ آخر بالخدر، ليس نصراً، بل هزيمة أخلاقية وسياسية للطرف الأقوى.