أقوى سهام "نتنياهو".. سهم مُرتد
ترجمة الهدهد
إنّ المُروّجين أو السذّج الذين ما زالوا يجلسون في الاستوديوهات يُثرثرون عن شرق أوسط جديد، وعن حقب تاريخية، وعن هراء آخر، إما أنهم مُنفصلون عن الواقع، أو أنهم يُشوّشون عمداً على نقل المشاعر السائدة في "الحكومة الإسرائيلية".
في صورة سلبية للغطرسة الأولية، يسود اليوم شعورٌ بالقلق، إن لم يكن بالخوف، ليس لا سمح الله من الضرر الذي لحق بالجبهة الداخلية، التي ضُحّي بها دون تردد منذ زمن طويل، بل من الخطوات التالية للرئيس الأمريكي، الذي يصعب تجاهل رغبته في الانسحاب من المشهد السياسي.
يخشى البعض أن يُسرع "دونالد ترامب" في إبرام اتفاق يُضحّي بمصالح "إسرائيل" لصالح مصالح قطر أو السعودية، أو أن ينقلب على "بنيامين نتنياهو"، المسؤول بالفعل عن تورّطه في إيران.
كل هذا، بطبيعة الحال، له تداعيات سياسية: فقد انقلبت عليه أقوى سهام "نتنياهو"، وهي هجوم مشترك مع الولايات المتحدة في سبيل سحق النظام الإيراني تاريخيًا، وهذا فشل استراتيجي لن يُحفّز أنصار "الليكود" المُنهكين على المشاركة في الانتخابات فحسب، بل سيُلقي أيضًا بظلاله على "نتنياهو" وايضاً على الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وسيُجبر أنصاره على التعامل مع تبعات ذلك، حتى وإن استمروا في التشبث بخرافة "حرب النهضة" (بينما يلجؤون إلى أماكن آمنة ليلًا، للعام الثالث على التوالي).
وقع الإيرانيون في غرام وضعهم الذي يشبه وضع داود في مواجهة جالوت، عملاق برأسين - أعظم قوة في العالم، وأعظم قوة في الشرق الأوسط.
اكتشفوا أنهم ليسوا بحاجة إلى أسلحة نووية، بل يمتلكون رصيدًا ثمينًا، يتمثل بالسيطرة على أسعار النفط من خلال قدرتهم على السيطرة على مضيق هرمز، هذه الوسيلة التي تثبت سيادتهم الحقيقية على "ترامب" وبقية الديمقراطيات الغربية - الرأسمالية - أصبحت المشكلة الرئيسية للحرب، والآن يُفترض أن تنتهي بحلها، بعيدًا كل البعد عن أهدافها الأصلية.
ثمة احتمال أن يختار "ترامب"، وقد أزعجه استهزاء الإيرانيين، التصعيد أكثر واستخدام القوات البرية.
إذا اختار ذلك، فسيعيش على هامش ربح ضئيل للغاية، بينما يُقدم على مخاطرة جسيمة باتت واضحة له الآن، أما الخيار الأسهل، الذي قد يختاره أي رجل أعمال عادي، فهو التلفظ بكلمات عن النصر، وتحميل المسؤولية عن الفشل لبيت "هيس" و"نتنياهو"، وانتظار انتفاضة الشعب الإيراني، التي ستحدث لا محالة.
بالنظر إلى الماضي، يبدو أن "نتنياهو" كان ليُحسِن صنعًا لو اكتفى بالصورة النهائية لحرب الأيام الاثني عشر في إيران، حيث انبهر الرأي العام بالسيطرة الجوية "الإسرائيلية" المطلقة على الأجواء الإيرانية، وصدّق ما قيل له: أن البرنامج النووي الإيراني قد تضرر بشدة وأن حزب الله يُشكّل تهديدًا.
لقد قلبت الحرب الحالية كلا الافتراضين رأسًا على عقب، لا سيما على الجبهة الشمالية التي تزداد تعقيدًا، وقوّضت مصداقية "نتنياهو" بشكل كبير، حتى خارج أوساط "الجيش الإسرائيلي".
هذا مثال بليغ على استخدام القوة بلا مبرر وعواقبه الوخيمة، فكل من يصل إلى أي حدث بعقلانية مفرطة، وغرور لا حدود له، وإيمان ساذج بأن الوقت قد حان للقضاء على العدو نهائيًا - بفضل "ياريف ليفين" و"إصلاحه القانوني" - يزيد من احتمالية فشله فشلًا ذريعًا.
إنه يعرض نفسه لمخاطر يتجاهلها تمامًا (وهذا جزء أساسي من المشكلة)، بوضع أهداف مفرطة لا تمت للواقع بصلة، أهداف يُفسر أي انحراف عنها ليس فقط على أنه فشل، بل أيضًا على أنه علامة ضعف في هذه الحرب، فاقمت "إسرائيل" والولايات المتحدة وضعهما الاستراتيجي تجاه إيران، التي رسخت مكانتها كحاكم لا منازع له في الخليج العربي..
لكنّ المثل ينطبق أيضاً على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ففي ابتهاجها بالنجاح، وفي محاولتها إذلال "ترامب"، وفي تمسكها بالتعصب الأصولي الرافض للتسوية، يُعرّض نظام آية الله نفسه لضربة ارتداد، ويبدو أن هذا هو جوهر المأساة التي تُحيط بنا.
المصدر: هآرتس/ "رافيت هيخت"