قوى الجيش والأمن حصلا على تفويض لتهويد الضفة الغربية
ترجمة الهدهد
حذر سفير الولايات المتحدة "مايك هاكابي" في الكيان والمؤيد المتحمس لوحدة "أرض إسرائيل"، مرارًا وتكرارًا مؤخرًا من الأضرار المتراكمة الناجمة عن النشاط الإرهابي اليهودي في الضفة الغربية.
كما زعم نظيره في واشنطن "يحيئيل ليتر" خلال مقابلة أجرتها معه صحيفة يديعوت أحرونوت هذا الأسبوع، أن تفاقم هذه الظاهرة "ينفر أصدقاء إسرائيل الحقيقيين في الولايات المتحدة".
وأفادت صحيفة "إسرائيل هيوم" عن محادثة حادة بين نائب الرئيس الأمريكي "جيه. دي. فانس" ورئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو"، حيث أثار الجانب الأمريكي مزاعم بالفوضى و"سلوك دولة متخلفة" من جانب "إسرائيل" في الضفة الغربية (وقد نفى فانس هذا التقرير لاحقًا).
بعد عدة حوادث عنيفة، قُتل وجُرح فيها فلسطينيون بنيران الأسلحة وهجمات المستوطنين بالعصي، حرص رئيس الأركان "إيال زامير" على زيارة الضفة الغربية والاغوار، في خضم الحرب مع إيران، وأصدر "زامير" تحذيرات، رددها أيضاً قائد القيادة الوسطى اللواء "آفي بالوت"، في رسالة وجهها إلى جنوده، وطُلب من "نتنياهو" القيام بالمثل أيضاً.
قبل أسبوع، زار مقر القيادة الوسطى في القدس لإجراء محادثة، تناول جزء منها الإرهاب اليهودي، وأوضح مساعده "ليتر" لصحيفة يديعوت أحرونوت أن "رئيس الوزراء" "طرق على الطاولة وطالب بمعالجة شاملة للمشكلة".
تحت ضغط أمريكي، سُرّبت نية الحكومة اتخاذ خطوة ملموسة: بإنشاء وحدة في "وزارة الجيش" تُعنى بشؤون فتيان التلال، وسكان البؤر الاستيطانية والمزارع الاستيطانية، المسؤولين عن جزء كبير من الهجمات العنيفة التي يتم شنها على الفلسطينيين، وستُخصص لهذه الوحدة 130 مليون شيكل على مدى السنوات الثلاث المقبلة.
ربما أعجبت واشنطن بهذه الخطوة، لكن الأمر لم يكن كذلك في "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية، وصرح ضابط احتياط رفيع المستوى، كان مشاركًا في هذا الأمر حتى وقت قريب، لصحيفة هآرتس، أنه في تقديره، ستصل الأموال في نهاية المطاف إلى المجالس الاستيطانية في الضفة الغربية، ومن ثم تُستخدم لتلبية احتياجات البؤر الاستيطانية والمزارع الاستيطانية، بدلًا من معالجة أسباب العنف، وأضاف: "هذا سوء فهم... المشكلة ليست في المال، المطلوب هو أن يُطبّق الجيش والشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) القانون، وأن يُجري الجيش الإسرائيلي تحقيقات شاملة، وأن يُقيل القادة الذين لم يستجيبوا بشكل مناسب للعنف، هذا كفيل بإيصال الرسالة".
إن ردود فعل "المؤسسة الإسرائيلية" على هذه الظاهرة المتنامية، فضلاً عن جزء كبير من التغطية الإعلامية، مبنية على التضليل المستمر، وتجري هنا حملة تضليلية كلاسيكية، من الألف إلى الياء، بدءًا من قرع "نتنياهو" على الطاولة (وهي ممارسة لا تُنسى في مجالات متنوعة، من فيروس كورونا إلى إزالة الحواجز البيروقراطية)، مرورًا بالشكاوى من أن العنف يصرف "قوات الجيش الإسرائيلي" عن محاربة "الإرهاب الفلسطيني" (المشكلة الحقيقية هنا هي الفشل الأخلاقي، وليس العبء العملياتي)، وصولًا إلى الادعاء الذي لا أساس له من الصحة بأن هذه الأعمال "تضر بالمستوطنات في المقام الأول"، وهو ما يُفترض أنه ينفي إلى حد كبير الهجمات على الفلسطينيين.
الحقيقة، كما اتضح هذا الأسبوع من خلال سلسلة من المحادثات مع كبار المسؤولين العسكريين ومسؤولي جهاز الأمن العام (الشاباك) الذين تعاملوا مع هذه القضية في السنوات الأخيرة، أكثر تعقيدًا، بل وأقل استساغة، فالأمر لا يقتصر على حفنة صغيرة عنيفة، فالاعتداءات على الفلسطينيين لا تتعلق فقط بسبعين شابًا مضطربًا ومشتتًا قدموا إلى الضفة الغربية من الخط الأخضر، كما حاول "نتنياهو" الادعاء بذلك العام الماضي، حين تصدرت القضية عناوين الأخبار.
هناك مئات الأشخاص، ليس جميعهم قاصرين، يشاركون في الاحتجاجات والمداهمات العنيفة، وفي المضايقات المستمرة والمتواصلة التي تتعرض لها المجتمعات البدوية والفلسطينية بهدف تهجيرهم من منازلهم، وفي كثير من الحالات باستخدام الأسلحة النارية، وهناك شبكة أوسع داعمة ومتعاطفة تحيط بهم.
أما الإدانات، فغالبًا ما تصدر علنًا، وفي نفس الوقت من المستحيل الادعاء بأن سكان المزارع الاستيطانية هم رواد يسيرون أمام المخيم، كما يدعي رؤساء المجالس الاستيطانية – والتنصل منهم عندما ينخرطون في عنف منهجي وواسع النطاق كجزء من ذلك الجهد.
يستمر التستر من قبل السياسيين والحاخامات، لكن المجرمين أنفسهم لم يعودوا يكترثون بالمشاركة فيه، بل على العكس، ينشرون بيانات الهجمات شهريًا، وكأنها مصدر فخر.
تضمن ملخص شهر آذار (الذي صدر هذه المرة مصحوبًا بمقطع فيديو احتفالي) تقريرًا عن هجمات في نحو 20 قرية، وحرق 16 منزلًا و19 سيارة ومسجدين، إضافة إلى ذلك، "أُصيب 37 عربيًا، وحُطمت مئات النوافذ والزجاج الأمامي، وقُطعت مئات أشجار الزيتون، وثقبت عشرات الإطارات"، هذا ما جاء في التقرير.
تشمل البيئة الداعمة والمُيسِّرة أيضًا شخصيات إعلامية تنكر وجود الإرهاب اليهودي، أو تبحث عن أعذار ومبررات له، أو تُصغِّره إلى مستوى "الجريمة القومية"، لكن الجزء الأكبر من هذا الوضع يجري في اللقاءات بين النخبة السياسية والمستوطنين والمؤسسة الأمنية، ولم تُحسِن الحكومات السابقة، من اليمين ومن الوسط إلى حد ما (بينيت-لابيد)، بذل الجهود في هذا الصدد أيضًا.
لكن وزير الجيش الحالي "يسرائيل كاتس" قد بذل المزيد، حيث ألغى الاعتقالات الإدارية لليهود فور توليه منصبه في نهاية عام 2024، أما شرطة المنطقة المتشددة، الخاضعة لسيطرة الوزير "إيتامار بن غفير" بشكل كامل، فقد أُقصيت من المشهد منذ فترة طويلة، وتورط القسم اليهودي في جهاز الأمن العام (الشاباك) في فضيحة محرجة تتعلق بتسجيلات سرية للمحادثات، واستُخدم في الاضطهاد السياسي، وفي الوقت نفسه، يدعو رئيس الجهاز الجديد "ديفيد زيني"، إلى تفسير ضيق لمفهوم "الإرهاب اليهودي".
يتحدث "الجيش" بأصوات متعددة: فالواقع لا يُملى بخطابات "رئيس الأركان"، بل بأفعال قوات الأمن الخاصة في الميدان، التي تصل متأخرة بعد جولة تفقدية لمعركة رعاة "إسرائيلية" فلسطينية، وتجد صعوبة في المبادرة حتى عندما يكون واضحًا لها من يهاجم من، وقد زاد قرار القيادة الوسطى بضم مئات من عمال المزارع الاستيطانية إلى نظام الدفاع المكاني التابع لها من الفوضى.
تلاشت الحدود بين "المدنيين الإسرائيليين" و"الجيش" تمامًا في الضفة الغربية، تحت غطاء الحرب.
وفي الخلفية تلوح آثار 7 أكتوبر في الأفق، حيث يحذر المستوطنون -ولهم في ذلك بعض الحق- من احتمال شن هجوم فلسطيني منظم على مستوطنة معزولة، ولكن تحت غطاء الصدمة التي سببتها 7 اكتوبر، وفي ظل خشية قادة "الجيش الإسرائيلي" من الظهور بمظهر غير عدواني، تُستغل الحرب للتوسع والطرد.
تفتخر القيادة بالانخفاض الحاد في "الهجمات الإرهابية الفلسطينية" خلال الأشهر الأخيرة، وتعزو ذلك إلى العمليات الهجومية التي ألحقت أضرارًا بالمنظمات في القرى ومخيمات اللاجئين (حيث تم إخلاء بعض المخيمات وتعرضت لدمار واسع النطاق)، لكن قد تكون هذه ظاهرة مؤقتة، ولها تفسيرات أخرى: فالفلسطينيون في الضفة الغربية يعيشون في رعب شديد، ويؤمن رؤساء الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، الذين يتمتعون بأعلى مستوى من التنسيق الأمني منذ سنوات، بأن "الجيش الإسرائيلي" سيقتحم المنطقة (أ) في نهاية الحرب مع إيران، وسيُسقط السلطة الفلسطينية نهائيًا، ولا يُخفي العديد من رؤساء المجالس الاستيطانية في الضفة الغربية أن هذا هو طموحهم: القتال، القتال، القتال حتى النهاية.
الحاكم الحقيقي
كما سبق ذكره، يُعدّ "بتسلئيل سموتريتش" الوزير الأكثر نفوذاً في الحكومة، ليس بصفته وزيراً للمالية، بل بصفته وزيراً مساعداً في وزارة الدفاع، وقد تنازل "كاتس"، وقبله "يواف غالانت"، عن سلطاتهما في الضفة الغربية دون مقاومة، حيث بات "سموتريتش" الآن صاحب السيادة الفعلية.
وتُنفّذ التحركات للسيطرة على المنطقتين (ج) و(ب) قريباً، من خلال إنشاء أكثر من مئة مزرعة وبؤرة استيطانية جديدة، إلى جانب توسيع البناء في المستوطنات القديمة، وفقاً لـ"خطة الحسم" التي قدّمها "سموتريتش" عام ٢٠١٧.
لهذه الخطة نسخة لاحقة تهدف إلى حصر الفلسطينيين في 5 كتل صغيرة داخل المنطقة (أ) فقط، وفي الوقت نفسه، تُزال اتفاقيات أوسلو تدريجياً من الخريطة، وقد مُنحت هذه التحركات على أرض الواقع شرعية قانونية في سلسلة من القرارات الحكومية، عشية بدء الحرب الجديدة ضد إيران.
يشمل جزء كبير من حوادث العنف مع الفلسطينيين سكان المزارع الاستيطانية والبؤر الاستيطانية، الذين يتنقلون في سيارات "رينجرز" التي توفرها لهم الحكومة، ويرتدون زياً عسكرياً كاملاً أو جزئياً، ويحملون أسلحة عسكرية.
أحياناً يكون هؤلاء من أفراد فرق الطوارئ أو الشرطة العسكرية العامة، وأحياناً أخرى مبادرات فردي، هؤلاء الذين يُصوَّرون في الإعلام بصورة رومانسية كرواد جدد للصهيونية، هم في الواقع الذراع العسكرية للمشروع، بدعم متطور من الذراع السياسية، ممثلين لهم في "الحكومة"، ويكتمل هذا التوجه بالحضور البارز لرؤساء المجالس الاستيطانية من الضفة الغربية كرجال أعمال وشخصيات مؤثرة في وسط حزب الليكود، الذي شهد تحولاً حاداً نحو اليمين.
منذ منتصف فبراير من هذا العام، تصاعدت حدة المواجهات بين المستوطنين والفلسطينيين بشكل خطير.
ففي غضون شهر واحد فقط، قُتل تسعة فلسطينيين وأُصيب أكثر من عشرة آخرين بنيران في ست حوادث منفصلة، وقع معظمها في منطقتي رام الله ونابلس، وتُجري "الشرطة الإسرائيلية" وشعبة مكافحة الإرهاب تحقيقات في هذه الحوادث، ولكن من الأفضل عدم التعويل على نتائجها.
خلال الأسبوعين الماضيين، وقع حادثان آخران بخلفيات مختلفة، ساهما في تصعيد التوترات، ففي الأسبوع الماضي، أطلق عناصر من حرس الحدود النار على سيارة فلسطينية أثارت شكوكهم، قرب بلدة تامون، على الحدود بين منطقة نابلس والاغوار، وقُتل زوجان واثنان من أطفالهما الأربعة، وقبل ذلك ببضعة أشهر، صُوّر مقاتلون من الوحدة نفسها وهم يطلقون النار على فلسطينيين اثنين بعد أن رفعا أيديهما واستسلما خلال عملية في جنين.
أثارت هذه الحوادث تساؤلات جدية حول إجراءات إطلاق النار التي يتبعها عناصر حرس الحدود، وقد شكّلت صدمة في "الجيش الإسرائيلي"، لكنها لم تُثر استياء الشرطة، وهذا يُجسّد روح "بن غفير" بوضوح: التحقيقات سطحية، ولم يُمنح ضباط "الجيش الإسرائيلي" أي فرصة للمشاركة فيها.
في حادثة وقعت نهاية الأسبوع الماضي، قُتل المراهق "الإسرائيلي" "يهودا شيرمان"، من قرية "مالون موريه"، عندما صدمته شاحنة فلسطينية صغيرة عند مدخل قرية بيت عمرين غرب نابلس، فرّ السائق الفلسطيني، ثم أُلقي القبض عليه لاحقًا، في الساعات والأيام التي تلت الحادث، واجه "الجيش الإسرائيلي" وجهاز الأمن العام (الشاباك) صعوبة في تحديد ما إذا كان هجومًا إرهابيًا أم حادث سير (أعلنوا الليلة الماضية أن الدافع الظاهر كان قوميًا)، مع ذلك لم يتردد نشطاء اليمين المتطرف، الذين دعوا إلى الانتقام، في إحراق المنازل والسيارات على مدى يومين، وهاجموا الفلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية، وبشكل غير معتاد ساهم انتشار مكثف نسبيًا لـ "الجيش الإسرائيلي" في إخماد النيران.
هذا الأسبوع، وجّه نحو 200 جندي احتياطي رسالةً إلى رئيس الأركان ووزير الجيش، من المشكوك فيه أن يعكس قلقهم رأي غالبية المقاتلين من القوات النظامية والاحتياطية المُكلّفين بالخدمة العملياتية في الضفة الغربية، التي تشهد بدورها تحولاً ملحوظاً نحو اليمين متأثراً بأحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول.
لكن من المهم جداً الإصغاء إلى ما يحذر منه الموقعون على الرسالة، الذين خدموا مئات الأيام في الاحتياط منذ 7اكتوبر، كتبوا: "نتوجه إليكم لنعرب عن قلقنا البالغ إزاء الإرهاب اليهودي الذي يتكرر مؤخراً، للأسف نشهد في الضفة الغربية وقوع حوادث عنف وإرهاب ضد السكان الفلسطينيين، ولا تزال هذه الحوادث مستمرة بأعداد كبيرة مقارنة بالماضي، هذه الأحداث التي شهدنا بعضها بشكل مباشر، تتنافى تماماً مع قيم وروح الجيش الإسرائيلي التي تربينا عليها".
بحسب الموقعين، يتضمن الموقف من الإرهاب اليهودي "الجهل، وعدم قدرة قواتنا على منع هذه الأحداث، بل وحتى مشاركة جنود الاحتياط فيها أحيانًا، نخشى أن تكون كرامة الإنسان، ونقاء السلاح، والانضباط العسكري، التي تُشكل ركائز أساسية لروح الجيش الإسرائيلي، قد تآكلت، بل ونُقرّ بتسلل أجندات لا تتفق مع جوهر الجيش الإسرائيلي كجيش دولة يهودية ديمقراطية، نعود للخدمة مرارًا وتكرارًا انطلاقًا من ثقتنا التامة بأن المهام الموكلة إلينا تتوافق تمامًا مع قيم الجيش الإسرائيلي، وأن أي انحراف عنها يُعالج بالشكل المناسب، إن واقعًا تُرتكب فيه أعمال عنف وإرهاب على أيدي جنود يرتدون الزي العسكري، أو لا يُتعامل معها بحزم من قِبل الجيش الإسرائيلي بوصفه صاحب السيادة على الأرض، يُلحق ضررًا بالغًا بثقتنا وقدرتنا على أداء مهامنا".
تحدث أربعة من الموقعين على الرسالة، ممن خدموا في الضفة الغربية على مدى العامين والنصف الماضيين، إلى صحيفة هآرتس. وقدّموا جميعًا وصفًا متطابقًا لما حدث: لا توجد أي محاولات لمنع وقوع الأحداث مسبقًا ("حتى عندما يُعرف بوقوع حوادث - إذ ينتشر الخبر عبر مجموعاتهم على واتساب ويصل إلينا أيضًا - لا نصل أبدًا قبل وقوعها، بل بعد فوات الأوان فقط")، ولا يصل الجنود إلا عند استدعائهم، وحينها يكون الأوان قد فات، لم يشهدوا ما حدث في البداية، بل شاهدوا فقط ما حدث لاحقًا، وردود الفعل.
يقول أحد الموقعين: "في أغلب الأحيان، يخبرنا اليهود بما حدث، ثم نطلب منهم بلطف المغادرة ونعتقل الفلسطينيين المتورطين"، ويضيف آخر موضحًا: "بعد أن يتصرف الفلسطينيون بعنف تجاه اليهود - أولئك الذين اقتحموا منازلهم وبدأوا بإحراق المنازل والمركبات وضربهم"، ويشير إلى أنه في هذه المرحلة، "يتصرف الجنود بشكل أساسي ضد الفلسطينيين، ويستخدمون وسائل لتفريق المظاهرات، وأحيانًا يستخدمون الأسلحة النارية ضدهم".
يقول آخر إن أحد أبرز العناصر هو تكرار الحوادث. ويوضح قائلاً: "لا يمر يوم دون وقوع حوادث عنف من المزارع الاستيطانية، وخاصة في منطقة تلال الخليل الجنوبية، تقع الحوادث في أغلب الأحيان في المناطق الفلسطينية، وعادةً ما يكون الفلسطينيون هم الضحايا".
ويضيف آخر أن جزءًا من المشكلة يكمن في جنود الاحتياط الذين يخدمون في الشرطة العسكرية العامة، "إنهم يفعلون ما يحلو لهم، لا نملك أي سيطرة عليهم، إنهم متورطون في العديد من الأنشطة العنيفة، غالبًا في أماكن لا يُفترض أن يكونوا فيه، ليس في منطقة مستوطنتهم، بل في عمق الأراضي الفلسطينية"، ويختتم قائلاً إن القادة يتجاهلون الأمر ببساطة.
"نحن الآن في جولتنا الخامسة، وجميعنا نشعر بالاستياء مما نفعله هنا"، يضيف أحد جنود الاحتياط، "لقد تركنا بيوتنا وعائلاتنا مرة أخرى لنصبح معلمين في رياض الأطفال، ونرفض بشدة اليهود الذين ينزلون من المزارع الاستيطانية للمرة الألف، ويضايقون الفلسطينيين ويحاولون طردهم من المنطقة، كل ما نفعله هو الوصول متأخرين، وطلب المغادرة من اليهود بلطف، واعتقال بعض الفلسطينيين الذين يُطلق سراحهم بسرعة، لأنهم في النهاية لم يرتكبوا أي ذنب، لقد خدمنا لفترة طويلة في حرب غزة، وجميع الممارسات التي طُبقت هناك، مثل العدوان والعنف الشديدين تجاه المعتقلين، وهدم الممتلكات في منازل الفلسطينيين التي نحتلها، ونهب "التذكارات"، استمرت معنا حتى بعد عودتنا إلى خط المواجهة في السامرة".
وهناك أيضاً تعريف المهمة، "عندما وصلنا إلى القطاع، أخبرنا القائد أن هدفنا هو حماية المستوطنة اليهودية والمزارع الاستيطانية في المنطقة، وهذا ما نفعله بالفعل، يستمع القادة إلى كل كلمة يقولها الرباشتيم (منسقو الأمن الدائمون)، الذين يرافقوننا دائماً عند وصولنا إلى الميدان عقب ورود شكاوى عن أعمال عنف، إنهم يتجاهلون تماماً الفلسطينيين ولا يفعلون شيئاً حيال النشطاء العنيفين في المزارع الاستيطانية، مع أن الجميع يعرف هويتهم".
الخلاصة
عندما انطلقت مجموعة صغيرة من كبار ضباط الاحتياط في جولة بالضفة الغربية، بما في ذلك مناطق غور الأردن، في وقت سابق من هذا الأسبوع، بدعوة من منظمات يسارية ومنظمات حقوقية، التقط لهم بعض السكان المحليين صورًا، وصلت الصور إلى "يينون ماغال"، المذيع في القناة الـ 14، الذي سارع إلى وضعها في سياقها الصحيح، فنشر على مواقع التواصل الاجتماعي: "انظروا من انضم إلى الفوضويين الذين يقاتلون جنود الجيش الإسرائيلي في غور الأردن: بوغي يعالون ومجموعة من الجنود السابقين انضموا إلى جولة المنظمة اليسارية المتطرفة التي تشن هجمات يومية ضد جنود الجيش الإسرائيلي... كما رافق الجولة مراسل من صحيفة هآرتس، على ما يبدو لتلفيق مقال آخر مع جنود سابقين محبطين يعيشون على معاشات تقاعدية سخية."
في الواقع، كان هناك مراسلان من صحيفة هآرتس، لكن الإحباط كان شديداً بالفعل، ومن المناسب أن يطلع المزيد من "الإسرائيليين" على الصورة، وإلى جانب "رئيس الأركان" و"وزير الدفاع السابق يعالون"، حضر الجولة أيضاً الجنرالان المتقاعدان يعقوب (ماندي) أور وغادي شامني.
ومن بين مناصبه الأخرى، كان أور قائداً لقوات "الجيش الإسرائيلي" في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنسقاً للعمليات في الأراضي المحتلة خلال الانتفاضتين؛ أما "شامني"، مثل "يعالون"، فقد شغل منصب قائد القيادة الوسطى.
خلافًا لرواية "ماغال"، التي نُسخت وبُولغ فيها من قِبل نشطاء يمينيين آخرين، لم يُواجه أيٌّ من الضباط المخضرمين أي جندي من "الجيش الإسرائيلي"، "الإسرائيليون" الوحيدون الذين شوهدوا في الميدان، باستثناء النشطاء اليساريين، كانوا عمال المزارع الاستيطانية، بعضهم يرتدي الزي العسكري وبعضهم لا، بعضهم معروف لدى النشطاء بأنهم حاخامات، متورطون في احتكاك مُتعمّد واستباقي مع الفلسطينيين، بعضهم جاء إلى النشطاء بدافع الغطرسة ("ماذا تفعلون هنا؟ لا يُسمح لكم بالتواجد هنا")، وبعضهم اكتفى بالكلام المعسول ("تأتون إلى منزلي ولا تدخلون لتناول القهوة؟"؛ في حين أن البؤرة الاستيطانية تبعد مئات الأمتار، ومن نبرة الحديث لا يبدو أن هناك أي نية للضيافة).
يبدو الاحتكاك مع الفلسطينيين ممنهجاً ومخططاً له، ويتوافق مع شهادات جنود الاحتياط الذين وقعوا الرسالة: هؤلاء في الغالب فتيان، ينزلون عمداً مع قطعانهم من المزارع الاستيطانية والبؤر الاستيطانية إلى المراعي والمناطق الزراعية المجاورة للتجمعات الفلسطينية المعزولة، بهدف إشعال صراع دائم.
وقد وردت أنباء عن أعمال عنف شديدة وتهديدات وسرقة أغنام في العديد من القرى والتجمعات البدوية، وقد تم بالفعل إخلاء حوالي 15 تجمعاً سكنياً، في المنطقة الواقعة بين طريق البقاع وطريق آلون، تحت وطأة الضغط، ولا تزال المنطقة خالية من العرب، ولم يتدخل "الجيش الإسرائيلي" لمنع هذا التحرك، بل إنه في بعض الحالات ساعد فيه.
أكد ضباط كبار في الخدمة الفعلية تحدثنا إليهم صحة التقارير المفصلة التي نشرتها صحيفة هآرتس على مدى العامين الماضيين بقلم الصحفيين "هاجر شيزاف" و"متان غولان"، وبالطبع يقولون إن الإرهاب الفلسطيني مستمر في الضفة الغربية، وأن بعض الاشتباكات مع المستوطنين تتضمن أيضاً عنفاً فلسطينياً، لكن الخلاصة واضحة: هذه ليست احتكاكات تندلع فجأة، بل هي جزء من عملية استباقية واسعة النطاق.
ما رأيناه على أرض الواقع هذا الأسبوع يُؤكد ذلك، لا توجد محاصيل برية هناك، بل فروع مُنسقة تلعب دورًا محوريًا في مشروع تهويد الضفة الغربية، النظام مُصمم بحيث يُمكن للتيار الرئيسي، المُنخرط في بناء المزارع الاستيطانية والبؤر الاستيطانية، قطع الاتصال بهذه الفروع وإنكار أي صلة بها، عندما يتم ضبطها وهي تعبر الخطوط.
إن استمرار غض الطرف من قِبل الدولة وقوات الأمن وأجهزة إنفاذ القانون قد أدى إلى فقدان السيطرة، أي شخص يتعامل مع هذا على أنه مجرد ظاهرة غير عادية يُقلل من شأن خطورتها، كـ "إسرائيليين" من الصعب إنهاء مثل هذه الجولة دون الشعور بحرج شديد، بل وحتى عار.
المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "عاموس هارئيل"