ترجمة الهدهد
مقال رأي

لا يمكن المبالغة في أهمية الحرب ضد إيران، إذ أن هزيمتها ستكون ذات دلالة أكبر من مجرد إزالة التهديد المباشر، فحجم الخطر الإيراني يتجاوز بكثير التهديد النووي أو التهديد بالصواريخ الباليستية بالكميات الهائلة التي كان النظام ينوي إنتاجها، مما يحدث دمار يُضاهي الأسلحة النووية دون إشعاع.

إن امتلاك إيران للأسلحة النووية لا يُشبه إطلاقاً امتلاك كوريا الشمالية أو باكستان للأسلحة النووية، اللتين ضمنتا لأنفسهما فعلياً وجوداً عسكرياً.

على النقيض من ذلك، يتبنى النظام الإيراني أيديولوجية دينية، ويطمح إلى الهيمنة العالمية، والسيطرة على الشرق الأوسط بأكمله ومصادر طاقته ليست سوى الخطوة الأولى بالنسبة لهم، وهي خطوة تهدف إلى تمكينهم من تكديس قوة اقتصادية هائلة والتأثير على العالم بأسره، مع جعل الأقلية الشيعية زعيمة للإسلام، ولتحقيق هذه الغاية، أنشأوا شبكة عسكرية تضم منظمات وتحالفات في العراق واليمن وسوريا ولبنان وغزة، ولها صلات في فنزويلا.

إن المقارنة بألمانيا النازية لا تقتصر فقط على إعلانات الإبادة ضد اليهود، بل تشمل أيضاً نوايا السيطرة على العالم من قبل نظام متوحش، احتجز شعباً موهوباً للغاية كرهينة، في دولة صناعية تُعد أيضاً قوة طاقة عظمى، مما يسمح لها بمحاولة تحقيق أكثر الرؤى جنوناً.

قبل لحظات من فقدان الحصانة نتيجة امتلاك الأسلحة النووية، أوقفت "إسرائيل" والولايات المتحدة هذا النظام، مما جعل هذه الحرب حدثًا تاريخيًا بالغ الأهمية في تاريخ البشرية، على عكس ألمانيا النازية، تم إيقاف الخطر الإيراني في اللحظة الأخيرة، دون دفع ثمن محرقة وحرب راح ضحيتها عشرات الملايين من الأرواح.

تم خرق الاتفاق الأحمق

بينما تُعطي "إسرائيل" الأولوية، عن حق لمحاربة إيران، حتى على حساب تخصيص موارد لإلحاق الضرر بحزب الله، نُشر مؤخرًا تقريرٌ لمنظمة "ريغافيم" حول جبهة جديدة تتطور، تحت راية "الشرطة الفلسطينية" البريئة، حيث يتزايد جيشٌ ضخم في وسط الكيان.

الخطر يتجلى بوضوح في الكذبة التي يحملها اسمه، فهذه ليست قوة شرطة، بل جيشٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لم تُنفذ اتفاقيات أوسلو الحمقاء، التي سمحت في البداية بقوة شرطة قوامها 18 ألف فرد، ولو للحظة، وقد تجاوز "الشركاء" هذا الحد فورًا ووصلوا إلى ضعف هذا العدد.

البندقية التي ظهرت في الفصل الأول أُطلقت في الفصل الثاني، "الحرب على الإرهاب" التي شنها الشركاء عام 2000، والتي كلفت أكثر من ألف "قتيل إسرائيلي".

وماذا كانت النتيجة في "الحلم الإسرائيلي" بعد هذا الفشل الذريع؟ أنه لا بد من استمراره.

فمصنع "الإرهاب" المسمى "السلطة الفلسطينية"، الذي يحرض على الإرهاب ويدربه ويكافئ "الإرهابيين" بأموال طائلة، لا يزال قائماً، و"شرطتها" القاتلة تستمر في النمو كالمعتاد، بل وتضم إرهابيين حصلوا على عفو من جهاز الأمن العام (الشاباك) وأصبحوا الآن "شرطة"، هذا التشويه هو نتاج تشويه آخر يصور السلطة الفلسطينية كعنصر إيجابي مقارنةً بحماس السلبية.

تُشكل "الشرطة" الفلسطينية حاليًا جيشًا قوامه 60 ألف جندي.

وهذا ضعف عدد ضباط "الشرطة الإسرائيلية"، ونحو ثلث عدد جنود "الجيش الإسرائيلي" النظاميين، كما تضم ​​وحدات خاصة مثل "الوحدة 101"، وهي قوة كوماندوز قوامها 2000 مقاتل متخصصين في حرب المناطق المبنية، واقتحام المباني، والإنزال المظلي التكتيكي؛ ووحدة التدخل التكتيكي السريع والمداهمات، التي تستخدم الدراجات النارية الرياضية لتنفيذ غارات عميقة، وتتدرب على الرماية أثناء الحركة، ويبلغ قوامها نحو 2500 مقاتل - أي ما يعادل حجم لواء مشاة في الجيش النظامي؛ ووحدة "الخفاش"، المتخصصة في العمليات الخاصة السرية والقتال الليلي في ظلام دامس باستخدام أحدث أجهزة الرؤية الليلية، ويبلغ قوامها عدة مئات من المقاتلين.

تتولى دول غربية بموافقة "إسرائيل"، عملية تدريب هؤلاء "الضباط".

ويتمحور هذا التدريب حول نظام كندي أمريكي (USSC) متمركز في مركز التدريب الدولي للشرطة في عمّان، هناك تخضع كتائب الأمن الوطني لسلسلة من التدريبات تشمل استخدام الأسلحة، ومن هنا تبدأ الشرعية الدولية لتدريب هذه القوة، والتي تشمل نظامًا واسعًا لبناء القوة في مواقع مختلفة تمامًا، ضمن مسارات تدريب عسكرية بحتة، بعيدًا عن أي رقابة.

يحدث هذا في الأكاديميات العسكرية في باكستان وروسيا، حيث يخضع الضباط لتدريب يشمل قيادة الوحدات النظامية والسيطرة عليها، والحرب التقليدية، واستخدام المدفعية والمدرعات، ويتخرجون بشهادات في العلوم العسكرية، أي أن هيكل قيادة الجيش الباكستاني يتحول إلى رتبة عسكرية احترافية.

في الوقت نفسه، تُقام دورات تدريبية في القوات البحرية الخاصة والغوص العملياتي في باكستان، إلى جانب تدريب على القفز المظلي التكتيكي في إيطاليا، وتدريب على الحرب التقليدية في الجزائر، وكلها تُسهم في بناء قدرات هجومية متنوعة.

كما تصل شبكة من المنح الدراسية والتدريب إلى دول مثل إندونيسيا وبنغلاديش وجنوب إفريقيا، مما يُظهر مدى اتساع نطاق المشروع الرامي إلى تحويل الشرطة إلى جيش ماهر داخل حدود الكيان.

خلافًا للوهم الذي حاولت حكومة "رابين" ترويجه للرأي العام، بأن "الشرطة الفلسطينية ستحارب الإرهاب دون المحكمة العليا ودون بتسيلم"، فقد نشأ جيشٌ حارب "إسرائيل" بالأسلحة التي زودته بها.

وكانت البداية بقتل 17 جنديًا "إسرائيليًا" في خمسة أيام عام 1996، بذريعة فتح نفق حائط البراق، وفي حرب أوسلو، بين عامي 2000 و2004، تحولت هذه المجزرة إلى حملة قتل جماعي، لم تُفضِ إلى إدراك أن السلطة الفلسطينية وشرطتها عدوٌ خطير.

منذ انتهاء الانتفاضة، شهدت السلطة الفلسطينية تعزيزاً لقوتها، مصحوباً بعمليات إرهابية متقطعة من قبل قواتها، بالتوازي مع "إرهاب حماس" وأمثالها، بين عامي 2020 و2025، تم تحديد هوية ما لا يقل عن 118 عنصراً من الأجهزة الأمنية متورطين بشكل مباشر في "الإرهاب"، قُتل معظمهم خلال هجمات، وأعلنتهم السلطة الفلسطينية "شهداء".

من بينهم مجاهد منصور، الذي كان سابقاً ضمن الحرس الرئاسي لأبو مازن، وتلقى تدريباً عسكرياً أمريكياً في الأردن، وكان قناصاً ماهراً، قبل عامين هاجم حافلة صغيرة قرب "دوليف"، على بعد حوالي 9 كيلومترات من "موديعين"، وتمكن بمفرده من صد هجوم لقوات "دوفديفان" لساعات، ما أسفر عن مقتل مقاتل وإصابة سبعة آخرين.

"إرهابيون آليون"

يصل التورط في "الإرهاب" إلى أعلى المستويات، فعلى سبيل المثال كان محمد أبو بكر الذي استشهد في اشتباك مع "الجيش الإسرائيلي"، حارسًا شخصيًا لمحمود العالول، نائب أبو مازن. ويتباهى مسؤولون كبار في السلطة الفلسطينية، مثل جبريل الرجوب والمتحدث باسم الآليات طلال دويكات، بوجود 365 إرهابيًا من الآليات يقضون أحكامًا بالسجن في "السجون الإسرائيلية"، بعضهم بالسجن المؤبد، فضلًا عن نحو 2000 "شهيد" من بين عناصر الاجهزة الذين قُتلوا على مدار 30 عامًا من وجودها، ما يعني تورطهم بشكل أكبر في القتال و"الإرهاب".

لا تُخفي قوات الأمن الغرض من التدريب العسكري، كما يتضح من محتوى هذه التدريبات، فالهدف النهائي ليس حفظ الأمن المدني، بل بناء قوة هجومية تهدف إلى السيطرة على "إسرائيل".

وتُنشر مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي من قاعدة تدريب أريحا، تتضمن إعلانًا عن نية العودة إلى مدن مثل يافا وطبريا وحيفا وصفد وغيرها.

فيما يتعلق بالقضية الإيرانية، يُجسّد "بنيامين نتنياهو" نموذجاً يحتذى به في اليقظة والتعامل الاستباقي مع المخاطر، على غرار "تشرشل".

أما فيما يخص القضية الفلسطينية، فهو شريكٌ كاملٌ للحكومات السابقة وللمؤسسة الأمنية بأكملها في الإنكار والازدراء والتجاهل، وهذه هي المجموعة نفسها المسؤولة عن تجاهل قوة وخطر حماس في غزة عشية 7 أكتوبر.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "بوعز هعتساني"