ترجمة الهدهد

حتى قبل أن يُقرّ الكنيست قانون عقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين، وجّه الاتحاد الأوروبي تهديدات ضمنية لـ "إسرائيل" مفادها أن إقرار هذا القانون سيُمثّل انتهاكًا لاتفاقية الشراكة التي تُشكّل الإطار القانوني للعلاقات بين أوروبا والكيان، وبالتالي هناك احتمال لتعليق الاتفاقية.

وقال مسؤول رفيع المستوى مُختصّ بالعلاقات "الإسرائيلية الأوروبية": "ما يُقلقهم في الوقت الراهن هو بالدرجة الأولى التباعد عن القيم المشتركة الذي تُعبّر عنه عقوبة الإعدام".

أصدر الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي بياناً غير معتاد جاء فيه أن "الاتحاد الأوروبي يشجع "إسرائيل" على التمسك بموقفها المبدئي السابق، والتزاماتها بموجب القانون الدولي، فضلاً عن التزامها بالمبادئ الديمقراطية، كما هو منصوص عليه في أحكام اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل".

لم يكن هناك تهديد صريح بفرض عقوبات أو تعليق الاتفاقية في التصريحات، ولكن هناك من يفسر الجملة الأخيرة في "إسرائيل" على أنها "تهديد ضمني" بأن اعتماد القانون سيشكل انتهاكًا لـ "الالتزامات الإسرائيلية" تجاه "اتفاقية الشراكة" مع الاتحاد الأوروبي - وبالتالي يفتح المجال أمام إمكانية الإضرار بالاتفاقية إلى حد تعليقها.

من جهة أخرى، امتنعت الولايات المتحدة فعلياً عن إدانة قانون عقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين، الذي أقره الكنيست، وصرح متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية قائلاً: "تحترم الولايات المتحدة حق إسرائيل السيادي في تحديد قوانينها وعقوبات المدانين بالإرهاب"، وأضاف المتحدث أن واشنطن تثق بأن هذه الخطوات ستُنفذ في محاكمة عادلة، مع مراعاة جميع الضمانات والحقوق المتعلقة بالإجراءات القانونية الواجبة.

حتى قبل إقرار القانون بدعم من رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو"، صرّح مسؤول سياسي رفيع قائلاً: "إذا أقرّ الكنيست قانون عقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين ، فسيلحق ذلك ضرراً بالغاً بالعلاقات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي"، وجاءت تصريحات مماثلة من الأمين العام لمجلس أوروبا "آلان بارسا"، الذي سعى إلى منع إقرار القانون، وأعرب لـ "مسؤولين إسرائيليين" كبار عن قلقه البالغ إزاء هذا التشريع، الذي وصفه بأنه ينتهك حقوق الإنسان ويُبعد "إسرائيل" عن الأطر المشتركة ومجموعة القيم، وقال المسؤول السياسي: "لا يوجد تهديد بفرض عقوبات، ولكن قد تكون هناك تلميحات بذلك، ومن المؤكد أن هذا قد يُثير إجراءات مقلقة".

دعا وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا "إسرائيل"، يوم الأحد، إلى وقف إقرار القانون، وأعرب الوزراء الأربعة عن "قلقهم البالغ" إزاء مشروع القانون، مؤكدين أنه قد ينطوي على تمييز في الممارسة العملية، ويقوض التزام "إسرائيل" بالمبادئ الديمقراطية.

أعرب وزير الخارجية البلجيكي "ماكسيم بيفو"، عن قلقه البالغ إزاء إقرار مشروع قانون عقوبة الإعدام، قائلاً: "إن القتل الذي ترعاه الدولة ليس عدلاً ولا حلاً، فالمجتمع الملتزم بحقوق الإنسان يسعى إلى المساءلة دون اللجوء إلى القتل، وندعو إسرائيل إلى عدم المضي قدماً في هذا القانون، الذي يتعارض مع روح وأحكام اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وترفض بلجيكا عقوبة الإعدام بجميع أشكالها وتحت أي ظرف من الظروف".

يتطلب التعليق الجزئي للاتفاقية مع "إسرائيل" أغلبية مؤهلة، في السابق، عرقلت ألمانيا وإيطاليا، إلى جانب دول صغيرة من شرق الاتحاد الأوروبي، مثل هذه الخطوة، والآن بعد إقرار القانون، يبقى مصير العلاقات بين "إسرائيل" والاتحاد الأوروبي غامضًا، تتطلب العقوبات المفروضة على "إسرائيل" إجماعًا تامًا من جميع الدول، وحتى الآن، كانت المجر هي من تستخدم حق النقض (الفيتو)، ولكن إذا خسر "فيكتور أوربان" الانتخابات في بلاده، فسيتعين على "إسرائيل" أن تتقبل احتمال محاولة معارضيها قيادة عملية فرض العقوبات.

"هذا الأمر يجب أن يقلقنا"

قال "مسؤول إسرائيلي" رفيع المستوى معني بالعلاقات مع الاتحاد الأوروبي: "إن انتهاك حرية الوصول إلى المواقع المسيحية المقدسة، والاعتداء على وسائل الإعلام الأجنبية، واستمرار عنف المستوطنين، كلها أمور تُقلق الأوروبيين، بالإضافة إلى قانون عقوبة الإعدام، وهذا ما يجب أن يُقلقنا، لأنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى الإضرار بإسرائيل، الخاضعة للعقوبات الأوروبية منذ عام 2024".

وأضاف المسؤول الرفيع قائلاً: "كان هناك تحرك في بروكسل لفرض أنواع مختلفة من العقوبات على إسرائيل، وهو ما عرقلته ألمانيا وإيطاليا، ولم يكن أمام المفوضية خيار سوى تعليق جميع المساعدات الثنائية لإسرائيل، وهو إجراء رمزي".

"هناك عقوبات غير مسبوقة على المستوطنين العنيفين وتهديدات بفرض عقوبات على وزراء إسرائيليين، لكن فرض عقوبات على الأفراد يتطلب إجماعاً كاملاً، وهو ما لم يكن موجوداً".

فيما يتعلق بـ"اتفاقية الشراكة"، يتطلب الأمر أغلبية مؤهلة وفقًا لطريقة الحساب الأوروبية، وطالما أن الألمان يقفون إلى جانبنا وليسوا وحدهم، فلن يتم ذلك، لذا، علينا الإصغاء جيدًا للأصوات المسموعة في برلين، أما بخصوص عقوبة الإعدام، فإن رسالة وزراء الخارجية بمثابة تحذير لـ "إسرائيل"، من الممكن اتخاذ خطوة رمزية، لكن التأثير التراكمي لكل ما يحدث هنا قد يؤدي في نهاية المطاف إلى خطوات أكثر جدية.

"إن عقوبة الإعدام غير دستورية بشكل أساسي"

بعد وقت قصير من موافقة الكنيست بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48 صوتًا معارضًا وامتناع واحد عن التصويت على قانون عقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين، الذي روّج له وزير الأمن القومي للعدو "إيتامار بن غفير" وأعضاء كتلته من حزب "عوتسما يهوديت"، رفعت جمعية الحقوق المدنية التماسًا إلى المحكمة العليا، وأوضح الالتماس أن "عقوبة الإعدام غير دستورية بشكل جوهري، نظرًا لانتهاكها الجسيم وغير القابل للإصلاح للحق في الحياة، إن الترتيبات المنصوص عليها في هذا القانون، وحقيقة أنه صِيغ بحيث يُطبّق على الفلسطينيين فقط، تُعزز عدم شرعية وعدم دستورية عقوبة الإعدام".

وأشارت العريضة كذلك إلى أن "القانون يُنشئ مسارين قانونيين متوازيين - أحدهما في القانون العسكري والآخر في "القانون الإسرائيلي" - يُقصد بهما أن يُطبقا حصراً على الفلسطينيين وسكان الضفة الغربية و"الإسرائيليين"، وفي المحاكم العسكرية - التي لها ولاية قضائية على الفلسطينيين في الضفة الغربية - يُقرّ القانون عقوبة الإعدام الإلزامية التي يمكن التنازل عنها في حالات استثنائية، ويسمح بفرضها بأغلبية بسيطة (بدلاً من الإجماع)، ويحرم القائد العسكري من سلطة إصدار العفو، وبالتالي يحرم المتهم من الدفاع عن نفسه ويمنعه من إثبات براءته".

في "المحاكم الإسرائيلية" - حيث يُحاكم المقيمون و"الإسرائيليون" - يُضاف إلى القانون جريمة جديدة يُعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد لمن يتصرفون "بهدف إنكار وجود "دولة إسرائيل"، بحيث لا ينطبق هذا القانون إلا على الفلسطينيين ولا يمكن تطبيقه على اليهود، وينص القانون على تنفيذ الإعدام شنقاً - وهي ممارسة قاسية للغاية وغير مقبولة حتى في الولايات المتحدة - في غضون 90 يوماً من صدور الحكم النهائي، بطريقة لا تترك وقتاً كافياً لتقديم طلب لإعادة المحاكمة أو العفو، بموجب "القانون الإسرائيلي" (حيث لم يُحرم المحكوم عليه من حقه في العفو).

بحسب جمعية الحقوق المدنية، "بما أن النظام القانوني ليس بمنأى عن الأخطاء، فإن مثل هذا الإجراء التعسفي والسريع يثير مخاوف جدية بشأن إعدام الأبرياء، ينتهك هذا القانون حقوق الإنسان بشكل غير متناسب، ولا يتماشى مع قيم الدولة الديمقراطية، وقد سُنّ لغرض انتقامي وعنصري محظور، ولأنه ينتهك الحقوق الدستورية، وأهداف القانون الجنائي، والحماية التي يوفرها قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، يجب إلغاؤه.

أعلن عضو الكنيست "جلعاد كاريف "(الديمقراطيون) أنه يعتزم أيضاً تقديم التماس إلى المحكمة العليا ضد القانون، قائلاً: "هذا قانون مخزٍ، قانون لا أخلاقي، يتعارض مع القيم الأساسية لدولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، ومع أحكام القانون الدولي التي قبلتها إسرائيل، يجب ألا يُسمح لأحكام هذا القانون بالبقاء في مدونة قوانين دولة إسرائيل".

أدان مكتب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بشدة إقرار القانون، وفي رام الله، وصفه بأنه "انتهاك صارخ للقانون الدولي" بل و"جريمة حرب"، وأضاف المكتب أن "القانون يتعارض مع اتفاقية جنيف وحقوق الإنسان الأساسية"، محذراً من أنه سيؤدي إلى تصعيد الموقف والإضرار بالاستقرار الإقليمي.

وفي الوقت نفسه، صرح "نادي الأسير الفلسطيني" لقناة "العربي" القطرية: "إن قانون إعدام الأسرى يمهد الطريق لمرحلة جديدة من إيذاء المعتقلين الفلسطينيين ويسمح لإسرائيل بمواصلة جريمة الإبادة الجماعية".

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "إيتامار آيخنر"