ترجمة الهدهد

تتعرض "إسرائيل" للتآكل في حرب لا تحددها هي بنفسها، فلم تعد "إسرائيل" تخوض حرباً إقليمية، بل تتعرض للتآكل في حرب لا تحددها هي بنفسها.

إن دخول الحوثيين إلى الحرب، حتى وإن كان بشكل محدود في هذه المرحلة، يُغيّر بالفعل الخريطة الاستراتيجية، فإطلاق الصواريخ باتجاه الجنوب ليس حدثاً تكتيكياً فحسب، بل هو بمثابة فتح جبهة جديدة.

لا يُمثل الحوثيون مجرد طرف ثانوي، بل ذراعاً استراتيجياً لإيران التي تُوسع حملتها نحو البحر الأحمر، وإذا ما تعطلت حرية الملاحة في مضيق باب المندب، فإن الحرب ستتحول من أزمة أمنية إلى أزمة اقتصادية دولية ذات تأثير مباشر على مصر والتجارة العالمية برمتها.

هذا يمثل تحولاً من استراتيجية التوسع إلى استراتيجية الخنق الإقليمي.

هناك سؤال يجب طرحه:

هل تلعب إيران ورقتها الأخيرة من خلال الحوثيين لعرقلة تحرك أمريكي أوسع نطاقاً وفرض تسوية من خلال الضغط الاقتصادي الإقليمي والدولي؟

في الوقت نفسه، تتزايد الجهود للتوصل إلى تسوية بين إيران والولايات المتحدة، رغم وجود فجوات عميقة، وتسعى الدول الوسيطة - تركيا ومصر والسعودية وباكستان - إلى تنسيق مواقفها، بل وتعزيز مسارات التفاوض المباشرة وغير المباشرة، في المقابل، تصدر الولايات المتحدة تصريحات متضاربة: بين تصريحات حازمة ورسائل تشير إلى تحقيق بعض الأهداف من وجهة نظرها، أما من الجانب الإيراني، فهناك رغبة حذرة في الحوار، لكن الفجوات لا تزال عميقة، و"إسرائيل" توجه رسائل شديدة اللهجة تهدف إلى عرقلة أي تقدم سريع.

إيران: التطرف - ولكن أيضاً الانقسامات الداخلية

لم تضعف إيران، بل ازدادت قوة، فالقيادة المنبثقة عن الحرس الثوري تتبنى نهجاً أيديولوجياً واضحاً: القوة، والاستنزاف، والمرونة، وسيف "ذو الفقر" - سيف علي بن أبي طالب - ليس مجرد رمز ديني، بل هو تعبير عن رؤية للعالم: العدالة من خلال القوة.

لكنّ بوادر الأزمة تلوح في الأفق، فالوضع الاقتصادي مزرٍ، ويحذر الرئيس "مسعود بازشكيان" من أن السياسات الحالية لا يمكن الاستمرار بها طويلًا، هذا صراع حقيقي بين الطبقة المدنية والحرس الثوري، حتى وإن كان الأخير هو الطرف المهيمن.

إن استمرار عمليات القصف والاغتيالات، إلى جانب الضغوط الدولية، له آثاره السلبية، ويزيد من الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية.

الصورة الواضحة: إيران لا تهاجم "إسرائيل" مباشرة، بل تحاصرها

لبنان: تآكل مستمر - دون حل

إن الحرب في جنوب لبنان ليست موجهة ضد حزب الله فحسب، بل ضد واقع دولة ضعيفة، فالحكومة اللبنانية عاجزة - أو غير راغبة - عن نزع سلاح الحزب، بينما يحتفظ حزب الله بقدرات عسكرية كبيرة رغم الخسائر التي لحقت به، و"إسرائيل" تعمل، ولكن على نطاق محدود، ويتطلب تحقيق سيطرة فعالة جنوب الليطاني قراراً سياسياً واسع النطاق وقوات أكبر بكثير.

المعنى: حزب الله ليس مجرد منظمة، بل هو عنصر ضمن معادلة دولة مختلة وظيفياً، والنتيجة واضحة: ليس قراراً، بل إرهاق.

الساحات النشطة: نظام واحد

لا تُشنّ الحرب في ساحة واحدة، بل في عدة ساحات في وقت واحد:

غزة - قتال مستمر، لبنان - صراع استنزاف دون حسم، اليمن - الحوثيون يفتحون جبهة جديدة، الضفة الغربية - إرهاب وتوترات وفقدان السيطرة، إيران - قيادة تُسيطر على جميع الساحات، هذه ليست سلسلة من الصراعات، بل نظام مُنسق.

الساحة المتعددة - المعنى الحقيقي

عندما تتضافر جهود جميع الأطراف، لا يقتصر التحدي على الجانب العسكري فحسب، فحتى أقوى الجيوش لا تستطيع الانتصار في جميع المجالات في آن واحد، إن وصف "رئيس الأركان" لـ "الغطاء القصير" ليس وصفاً، بل هو بمثابة تحذير.

والمسألة لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تشمل القيادة أيضاً:

ما هي الأولويات؟ وما هي الاستراتيجية؟

الجبهة الداخلية والشمال: الثمن الحقيقي

لا تزال "الجبهة الداخلية الإسرائيلية" تدفع الثمن: إنذارات، وانعدام الحماية، وتدهور مستمر، الشمال يفرغ من سكانه، والسكان يطالبون بالإخلاء، والدولة لا تقدم استجابة مرضية، ويعيش مئات الآلاف من المدنيين تحت تهديد دائم، لا يقيس الرأي العام الإنجازات العسكرية، بل يقيس الأمن الشخصي.

الضفة الغربية: فوضى خطيرة

لم يعد الواقع في الضفة الغربية مجرد "احتكاك محلي"، بل أصبح مؤشراً على فقدان السيطرة، فالحوادث العنيفة وأعمال الشغب التي يرتكبها المستوطنون ضد الفلسطينيين ليست مجرد فشل أخلاقي، بل هي فشل حكومي واضح.

يُؤدي غياب تطبيق القانون بشكل كافٍ إلى حالة من الفوضى على أرض الواقع، ويُقوّض الاستقرار الأمني، وإذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة، فقد تتدهور العلاقات مع الولايات المتحدة، صبر واشنطن ليس بلا حدود، وفي الوقت نفسه، حتى داخل النظام السياسي هناك اعتراف بمحدودية السلطة: "الغطاء قصير" - ولا توجد قوى كافية للتعامل مع جميع المجالات.

عندما لا تقوم الدولة بإنفاذ القانون، فإنها تفقد سيادتها فعلياً

إيران تعمل وفق استراتيجية منظمة ومتعددة القطاعات، الحرب تتوسع، والجبهة الداخلية تتآكل، أما "إسرائيل"؟ فهي تعمل، لكن دون تحديد واضح للأولويات ودون توجه استراتيجي متماسك، "الإسرائيليين" لا يطالبون بتصريحات، بل بالأمن، والسؤال ليس ما الذي تحقق، بل إلى متى يمكن الاستمرار في إدارة واقع التآكل.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "بهيج منصور"، سفير متقاعد، ورئيس سابق لمجلس عسفيا، وضابط احتياط رفيع المستوى