ترجمة الهدهد

لم يعد حصار مضيق هرمز حدثًا جيوسياسيًا أو اضطرابًا محليًا في سلاسل إمداد النفط، بل أصبح حدثًا مفصليًا يهز أركان النظام الغذائي العالمي، فعندما يُغلق شريان الحياة الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، ونحو 33% من إمدادات الأسمدة، لا تتوقف تداعياته عند محطات الوقود، بل تصل إلى رفوف الغذاء في دول تبعد آلاف الكيلومترات، لتؤثر على موائد مليارات البشر حول العالم.

وصفت وكالة الطاقة الدولية الوضع بأنه أحد أخطر التهديدات التي تواجه الأمن الغذائي في التاريخ، بل وأخطر من الأزمة التي سببتها الحرب في أوكرانيا عام 2022، هذه المرة، نواجه "عاصفة كاملة": مزيج قاتل من الموقع الاستراتيجي والتوقيت الحرج والتأثير غير المسبوق، على عكس أزمة الحبوب في البحر الأسود، التي امتدت تدريجياً إلى أسواق الطاقة والأسمدة، فإن حصار مضيق هرمز يشلّ في آن واحد الركائز الثلاث للزراعة الحديثة: الطاقة والنقل والأسمدة.

يُعدّ الخليج العربي مركزًا عالميًا لإنتاج الأسمدة، وتستحوذ إيران ودول الخليج على أكثر من ثلث الصادرات العالمية؛ إذ تُزوّد قطر وحدها نحو 11% من الاستهلاك العالمي لليوريا، ويأتي نحو 45% من شحنات اليوريا من مصانع الإنتاج الخليجية، وفقًا لـ "بلومبيرغ"، ويأتي الحصار الحالي في وقت بالغ الحساسية، قبيل موسم الزراعة في أبريل/نيسان، حيث يبلغ الطلب على الأسمدة ذروته، ويُؤدي هذا التوقيت إلى سلسلة من التداعيات الكارثية: نقص حاد في الأسمدة، وتلف فادح للمحاصيل، وارتفاع حاد وسريع في أسعار المواد الغذائية.

لم تعد هذه أزمة طاقة أو لوجستية فحسب، بل أصبحت تهديدًا استراتيجيًا لاستقرار دول الخليج، ولا سيما اقتصادات أفريقيا وآسيا الهشة، في الواقع، إنها تقويض فعلي للأمن الغذائي العالمي، وهو وضع قد يتفاقم فيه أي اضطراب محلي في الخليج، خاصةً مع انضمام الحوثيين إلى الحملة وتعزيز القوات الأمريكية في المنطقة، ليتحول سريعًا إلى أزمة عالمية تهدد مليارات البشر.

بالنسبة لدول الخليج، لا يُعدّ إغلاق مضيق هرمز مجرد "اضطراب"، بل هو تهديد وجودي مباشر، ففي منطقة يقطنها نحو 100 مليون نسمة يعتمدون على الواردات لتأمين نحو 90% من استهلاكهم الغذائي، ويمرّ أكثر من 70% منها عبر المضيق، يصبح الحصار نقطة اختناق استراتيجية، ويُهدد الحصار نحو 30 مليون طن من الحبوب سنوياً، وتتحول موانئ ضخمة مثل جبل علي في دبي وخليفة في أبو ظبي إلى نقاط معزولة بين عشية وضحاها.

إن محاولة سد الفجوة عبر النقل الجوي ترفع أسعار المنتجات الطازجة بنسب تصل إلى عشرات بالمئة، كما أن تحويل التجارة إلى الطرق البرية يكشف عن نقطة ضعف هيكلية أخرى: دول مثل قطر والكويت والبحرين - التي لا تملك منفذاً مباشراً على البحر - تجد نفسها معتمدة كلياً على البنية التحتية السعودية، غير المستعدة لاستيعاب حجم التجارة الهائل الذي تم تحويله إليها بين عشية وضحاها، وإذا أضفنا إلى ذلك الارتفاع الكبير في أقساط التأمين والشحن، وتهديد الحوثيين في البحر الأحمر، نصل إلى واقع يدفع المنطقة بأسرها إلى حافة الهاوية.

لم تعد هذه مجرد أزمة لوجستية، بل هي مزيج قاتل من ثلاثة عوامل تعمل في آن واحد: شلل صادرات الأسمدة، واضطراب واردات الغذاء، والاضطراب العالمي في سلاسل الإمداد الزراعي، تُثبت أزمة هرمز 2026 أنه في عصر الترابط والتداخل، تُقاس قدرة الدول على الصمود بقدرتها على توقع انهيار الأنظمة والاستعداد له، حتى قبل إطلاق أول صاروخ، وبدون بنية استراتيجية للمرونة، تصبح المسافة بين الأزمة اللوجستية والكارثة الإنسانية أقصر وأخطر من أي وقت مضى.

كسر القيود

إن إغلاق مضيق هرمز ليس مجرد "أزمة طاقة" بالمعنى الضيق، بل هو هجوم متعدد الأنظمة على عصب الأمن الغذائي العالمي، يُحدث شلل طريق التجارة الخليجي سلسلة من التداعيات غير المسبوقة: من نقص عالمي في الأسمدة، إلى ارتفاع حاد في أسعار الزيوت النباتية كزيت فول الصويا وزيت النخيل، وصولاً إلى إغلاق أكبر مصفاة سكر في العالم في دبي، وارتفاع كبير في تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، وتشير تقديرات الخبراء إلى أن هذا التوجه قد يستمر لأشهر ويؤثر على عشرات الدول، وتُعد دول الخليج، بقيادة قطر والسعودية، مسؤولة عن 30% إلى 50% من الإمدادات العالمية من اليوريا والأمونيا.

أدى إغلاق مضيق ملقا في الوقت الحرج لزراعة الربيع في نصف الكرة الشمالي إلى قطع نحو ثلث الإمدادات العالمية، وإلحاق أضرار بمحاصيل الأرز الحيوية لآسيا، ونتج عن ذلك ارتفاع فوري في أسعار الأسمدة بأكثر من 40%، وانخفاض متوقع في الإنتاج الزراعي العالمي بنسبة تتراوح بين 5 و20%، ونقص حاد في المواد الأساسية في الدول النامية، هذه حالة طوارئ عالمية يُتوقع أن تستمر آثارها على الأسواق حتى عام 2027.

بينما تنشغل الدول الغربية بالتضخم، يُمثل هذا تهديدًا وجوديًا حقيقيًا لدول الجنوب العالمي، فبدون احتياطيات استراتيجية، وبدون القدرة على دعم الزراعة المحلية عند انهيار سلاسل الإمداد، تصبح هذه الدول عرضةً تمامًا للصدمات الناجمة عن أزمة هرمز، وفي أفريقيا جنوب الصحراء، يقترب الوضع من كارثة إنسانية، فإثيوبيا، التي تستورد 90% من أسمدتها النيتروجينية من دول الخليج، تواجه أزمة إمداد حادة.

وتشير التقارير الواردة في صحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن دولاً مثل كينيا والصومال وتنزانيا والسودان، التي تعتمد على الأسمدة التي تصل عبر الطرق البحرية، تشهد بالفعل ارتفاعاً بنسبة 20% في أسعار المواد الغذائية الأساسية.

يُقوّض هذا الواقع الاستقرار الاجتماعي والسياسي في القارة، التي تُعاني أصلاً من موجات جفاف حادة وتغير مناخي، وفي جنوب شرق آسيا، تُعدّ اقتصادات باكستان وبنغلاديش من أكثر الاقتصادات عرضةً للخطر، أما الهند، رابع أكبر اقتصاد في العالم، فهي من بين الأكثر عرضةً للخطر: إذ يُشكّل اعتمادها على الأسمدة والطاقة من دول الخليج تهديداً مزدوجاً، يتمثل في تضرر المحاصيل المحلية وارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، بالنسبة لبلد يبلغ تعداد سكانه 1،48 مليار نسمة، يُشكّل هذا مزيجاً من العوامل التي قد تُزعزع استقرار المجتمع وتؤدي إلى أزمة زراعية واسعة النطاق.

يشعر الغرب بالقلق، أما روسيا فقلقها أقل

بحسب برنامج الأغذية العالمي، قد يواجه 45 مليون شخص إضافي حول العالم خطر المجاعة الحادة إذا استمر النزاع، أما روسيا، فتتمتع بوضع مختلف تمامًا، فهي، بصفتها قوة عظمى في مجال الطاقة والحبوب، تستفيد من ارتفاع أسعار النفط والقمح والأسمدة، تُعد روسيا أكبر مُصدّر للقمح في العالم، حيث بلغت صادراتها ما بين 50 و52 مليون طن في عام 2025، وهي من بين أكبر ثلاثة مُصدّرين للأسمدة في العالم، إلى جانب الصين وكندا، تمتلك روسيا مخزونات ضخمة من الحبوب، وتشهد طلبًا متزايدًا، لا سيما من الدول المتضررة بشكل مباشر من أزمة هرمز، مع ذلك، فإن استمرار اضطراب سلاسل التوريد قد يُلحق الضرر بالطلب الآسيوي، الذي يُمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد الروسي.

لا تقتصر الأزمة على الغرب، ففي الولايات المتحدة، يُجبر المزارعون بالفعل على التخلي عن زراعة الذرة التي تتطلب كميات كبيرة من الأسمدة لصالح فول الصويا، وهي خطوة ستؤدي إلى انخفاض المعروض العالمي من الحبوب وارتفاع أسعار الغذاء بحلول نهاية عام 2026، وهذا مثال واضح على أن أزمة هرمز ليست حدثًا إقليميًا، بل أزمة متعددة الأبعاد، تهز الاقتصاد العالمي من جميع جوانبه.

إن حصار مضيق هرمز، الذي يمثل عنق الزجاجة العالمي للسعرات الحرارية، يضع "إسرائيل" عند مفترق طرق استراتيجي جديد: من دولة تعتمد على الواردات لتأمين 85% إلى 90% من غذائها، إلى لاعب رئيسي في معادلة الأمن الغذائي العالمي، في عصر يشهد أزمة غذاء عالمية، وحصارًا بحريًا وشيكًا، وتصعيدًا عسكريًا متعدد القطاعات، يُعد هذا بمثابة جرس إنذار لا يمكن تجاهله.

إلى جانب الاضطرابات في سلاسل التوريد، ونقص الغازات الصناعية مثل "الهيليوم" و"النيون"، والتأخير في معدات تصنيع الرقائق والمكونات الإلكترونية، والزيادة الحادة في أسعار الغذاء والطاقة والأسمدة، والزيادة الكبيرة في تكلفة النقل البحري والجوي (مع قيام شركات الشحن بالفعل بفرض أقساط تأمين أعلى للسفن التي ترسو في الموانئ الإسرائيلية) - هناك أيضًا تفاقم انعدام الأمن الغذائي بين ما يقرب من 1،4 مليون إسرائيلي.

لكن في خضم الأزمة المتفاقمة تكمن فرصة استراتيجية نادرة، فـ "إسرائيل"، التي تتمتع باحتياطيات غذائية تكفيها لمدة 90 يومًا، وزراعة صحراوية متطورة، وتقنيات ري رائدة عالميًا، تستطيع -بل ينبغي عليها- اتخاذ خطوات طويلة الأجل من شأنها تعزيز قدرتها على الصمود: تقليل الاعتماد على واردات الغذاء من خلال تطوير الزراعة التكنولوجية والإنتاج المحلي الذكي؛ وتعزيز إنشاء "جسر بري" من الخليج كبديل حاسم لمضيق هرمز وباب المندب، مع تسريع مشروع IMEC (الهند-الشرق الأوسط-أوروبا)؛ وتسريع تطوير احتياطيات الغاز الطبيعي بالتوازي مع التحول إلى الطاقات المتجددة؛ والاستفادة من مزايا إسرائيل في مجالات الأمن السيبراني والبنية التحتية الذكية والخدمات اللوجستية، كأساس لتصدير حلول تعزيز القدرة على الصمود إلى العالم.

من منظور جيوسياسي، تدفع أزمة الغذاء العالمية "إسرائيل" إلى الانتقال من نهج "الأمن الغذائي السلبي" إلى استراتيجية وطنية للمرونة، وإلى ترسيخ مكانتها كمصدر للحلول التكنولوجية لأنظمة الغذاء والطاقة والبنية التحتية الحيوية، بعبارة أخرى، لا تُمثل أزمة هرمز اختباراً للعالم فحسب، بل هي اختبار لقيادة إسرائيل، إن القدرة على تحويل التهديد إلى فرصة ستحدد مكانة إسرائيل على الساحة الدولية في السنوات القادمة.

المصدر: "معاريف"/ "عنات هوشبرغ-ماروم"، خبيرة في الجغرافيا السياسية وإدارة المخاطر الدولية