المجتمع الحريدي.. هل عبء على الكيان؟
ترجمة الهدهد
إن مسألة مساهمة الحريديم في "المجتمع الإسرائيلي" قديمة منذ تأسيس "إسرائيل"، ففي "الجيش" والاقتصاد، وفي كل مجال تقريبًا، يُزعم أن الحريديم لا يُساهمون، أو على الأقل لا يُساهمون بالقدر الكافي، في المقابل يفتخر مجتمع الحريديم بنسبة عالية من العمل التطوعي والعطاء الخيري، وتشير بيانات الكتاب السنوي لمجتمع الحريديم الصادر عن "معهد الديمقراطية الإسرائيلي" إلى أن الحريديم قد لا يكونون مخطئين.
بحسب البيانات المستندة إلى المسح الاجتماعي الذي أجراه المكتب المركزي للإحصاء، تبرع 87% من اليهود الحريديم الذين تبلغ أعمارهم 20 عامًا فأكثر بمبلغ مالي خلال الفترة 2023-2024، مقارنةً بـ 61% بين اليهود غير الحريديم، ومن بين المتبرعين في تلك السنوات، صرّح 60% من الحريديم بأنهم تبرعوا بأكثر من ألف شيكل سنويًا، مقارنةً بـ 25% فقط من اليهود غير الحريديم، إضافةً إلى ذلك ظلت نسبة الحريديم الذين صرّحوا بتقديم تبرعات مالية ثابتة على مر السنين، في حين شهدت نسبة غير الحريديم انخفاضًا، ولوحظ ارتفاع ملحوظ في نسبة الحريديم الذين صرّحوا بتقديم تبرعات مالية كبيرة، كما سُجّل ارتفاع مماثل في نسبة غير الحريديم الذين قدموا مثل هذه التبرعات.
يؤكد الدكتور "جلعاد مالاخ" الباحث في برنامج الحريديم بـ "معهد الديمقراطية الإسرائيلي" على أهمية هذه البيانات، لا سيما في ظل فقر هذه الشريحة، الذي قد يُتخذ ذريعةً لعدم التبرع، ويرى أن حتى فريضة إخراج العشور - أي التبرع بنسبة 10% من الدخل - لا تكفي لتفسير هذه الظاهرة، ويقول: "إخراج العشور ليس من الوصايا الأساسية، ولا يوجد تركيز واضح عليه".
تزداد المسألة إلحاحًا عند تضمين البيانات المتعلقة بالعمل التطوعي، ففي الفترة 2023-2024، انخرط 43% من اليهود الحريديم في العمل التطوعي، وهي نسبة مماثلة لعام 2010، بالمقارنة، بلغت هذه النسبة 29% بين اليهود غير الحريديم، و19% في عام 2010، ويقدم "مالاخ" تفسيرات تتعلق بالجانب الاجتماعي لهذا القطاع، موضحًا: "إنه عالم مجتمعي متكامل ومتطور ومؤسسي، يتألف من جمعيات ومنظمات وهيئات غير ربحية، حيث ينظم المجتمع نفسه لدعم الأفراد، ويُتوقع من كل فرد، كجزء من عضويته في المجتمع، أن يُسهم في دعم الأعضاء الآخرين، من خلال أمور منها التبرع والمساهمة.
إنّ حراك الحريديم أكثر وضوحًا عند مقارنته بمجتمع آخر يُشبهه في نواحٍ عديدة، ألا وهو المجتمع العربي، فبحسب البيانات، صرّح 23% من أفراد المجتمع العربي بتبرعهم، و23% منهم تبرعوا بأكثر من ألف شيكل، وذلك بالرغم من أن فريضة الصدقة تُعدّ من أهمّ الفرائض في الإسلام، يقول "مالاخ": "عند الحريديم، على عكس العرب، تُعتبر الصدقة بنيةً جماعيةً وليست عائليةً، فهي جزءٌ لا يتجزأ من نمط حياتهم الاجتماعية"، ويشير كدليل على ذلك إلى حجم التبرعات، ويوضح قائلاً: "إنه رقمٌ مذهل، قد تتوقع أن يتبرعوا بمبالغ أقل، لكن الأغلبية تتبرع بمبالغ كبيرة، ليس فقط بدافع أداء واجبهم، بل لأسباب أعمق".
تبرعت للمكتب
تكمن إحدى أبرز الثغرات في فهم مفهوم التبرع والعمل التطوعي في المجتمع الحريدي، مقارنةً بالمجتمعات العلمانية والدينية، في مسألة دور "الدولة"، ففي هذه المجتمعات، كما يقول "مالاخ"، يفترض الناس أن الدولة هي الجهة المسؤولة عن مساعدة المحتاجين وتوفير الخدمات الاجتماعية، ويوضح قائلاً: "المفهوم السائد هو: أنا أتصدق، أين تبرعت؟ لقد -تبرعت- بثلث راتبي - لضريبة الدخل والتأمين الوطني وغير ذلك".
أثبتت البيانات أن المجتمع الحريدي يُساهم بنسبة أقل في "خزينة الدولة" من خلال دفع الضرائب
فبحسب مسح الإنفاق الأسري الذي أجراه المكتب المركزي للإحصاء، لا يتجاوز إنفاق الأسر الحريدية على المدفوعات الإلزامية - ضريبة الدخل والتأمين الوطني والتأمين الصحي - 33% من إنفاق الأسر غير الحريدية، أي 1469 شيكلًا مقابل 4496 شيكلًا، كما أن الإنفاق على الضرائب غير المباشرة من خلال الاستهلاك أقل بنسبة 16% من إنفاق الأسر اليهودية غير الحريدية، حيث يبلغ 15190 شيكلًا مقابل 18096 شيكلًا، على الرغم من أن متوسط عدد أفراد الأسرة الحريدية أكبر.
يؤكد "مالاخ" قائلاً: "إن العقد الاجتماعي للشخص غير الحريدي هو مع الدولة، من ناحية أخرى، فإن العقد الاجتماعي للحريدي هو أولاً وقبل كل شيء مع المجتمع"، وفيما يتعلق بالعمل التطوعي، يشير إلى أن اليهود غير الحريديم ملزمون بأداء الخدمة العسكرية أو الوطنية، ويقول: "كان تطوع العلمانيين والمتدينين أقل، لكنهم خدموا ثلاث سنوات في الجيش وهم في الاحتياط، بدلاً من التطوع في منظمة نجمة داود الحمراء أو منظمة زكا".
بحسب قوله، ثمة فرقٌ على المستوى النفسي بين التصدق ودفع الضرائب، ما يُولّد شعورًا بالتميز، بل وأحيانًا بالتفوق، لدى المجتمع الحريدي على المجتمع العام، ويوضح قائلًا: "عندما تتبرع، تشعر بالرضا عن نفسك، حتى لو كان المبلغ زهيدًا، في المقابل، لا يشعر دافع الضرائب بالرضا عن العطاء، بل يشعر وكأنه قد ظُلم"، ويضيف مالاخ: "يقول الحريدي لنفسه: 'لقد تطوعت، لقد تبرعت، نحن أفضل، وهذا واضحٌ جليّ في الخطاب الحريدي، فعندما تُعطي شيكلًا واحدًا لمتسول، تشعر بتحسنٍ كبيرٍ مقارنةً بمن دفع عشرة آلاف شيكل ضرائب".
المصدر: "هآرتس"/ "أهارون رابينوفيتش"