ترجمة الهدهد

مع نهاية الأسبوع الخامس من الحرب، تستعد إيران لما قد يكون مرحلتها الأخيرة والحاسمة، غدًا، ينتهي الإنذار الذي مدده " ترامب"، وتبدو فرص التوصل إلى أي اتفاق بين إيران والولايات المتحدة ضئيلة، ورغم صعوبة تقييم ما يجري خلف كواليس "النظام الإيراني الجديد"، كما وصفه "ترامب"، إلا أنه من الواضح أن ما كان صحيحًا قبل أسابيع لا يزال صحيحًا اليوم: إيران غير مستعدة للاستجابة لمطالب الإدارة الأمريكية، حتى في الملف النووي.

وقد أوضح سفير إيران لدى مصر "مجتبى فردوسي بور" في الأيام الأخيرة أن شروط إيران بشأن الملف النووي لم تتغير، وأن إيران لن توافق على تعليق تخصيب اليورانيوم على أراضيها بشكل دائم، وقد قوبل مقال وزير الخارجية الإيراني السابق "محمد جواد ظريف" في مجلة "فورين أفيرز"، والذي عرض فيه على الرئيس الأمريكي اتفاق سلام، بانتقادات لاذعة من أنصار النظام في طهران، الذين طالبوا بمحاكمته بتهمة الخيانة العظمى.

بالرغم من الضربات العسكرية المستمرة على إيران، لم يتخلَّ الإيرانيون عن شعورهم بالنصر، بل يبدو أنه ازداد في الأيام الأخيرة، وسارعت وسائل الإعلام الإيرانية إلى تصوير إسقاط الطائرات الأمريكية كإنجازٍ هامٍّ على صعيد الوعي، وحتى لو كان من غير المرجح أن تؤثر هذه الأحداث على قرارات واشنطن بشأن المراحل المقبلة من الحرب، فقد اعتبر كثيرون في إيران الحادثة وجهود الإنقاذ الصعبة التي بذلها طاقم الطائرة التي اضطرت إلى التخلي عنها دليلاً إضافياً على المخاطر المصاحبة لتنفيذ عمليات الإنقاذ في إيران، لا سيما في ظل سيناريو توسيع العمليات البرية الأمريكية.

كما استخدمت وسائل الإعلام الإيرانية توثيق المواطنين الإيرانيين، وكثير منهم من قبيلتي "لوري" و"بختياري" اللتين تعيشان في المنطقة التي تحطمت فيها الطائرة، والذين استجابوا بسرعة لنداء السلطات وانضموا إلى الجهود المبذولة لتحديد مكان طاقم الطائرة الأمريكية، لتسليط الضوء على تعبئة الشعب الإيراني، بمن فيهم أفراد الأقليات، إلى جانب الجمهورية الإسلامية.

أثارت الهجمات المستمرة على البنية التحتية الوطنية، بما في ذلك تدمير الجسر بين طهران وكرج، وإلحاق الضرر بالجامعات والصناعات الدوائية، فضلاً عن تهديد "ترامب" بإعادة إيران إلى العصر الحجري، ردود فعل قوية في إيران، ليس فقط من معارضي النظام أو منتقديه، فإذا كان يبدو في المراحل الأولى من الحرب أن قطاعات واسعة من الشعب الإيراني رأت في الحرب فرصة للتحرر من قيود الجمهورية الإسلامية القاسية، فإنه مع استمرار الحرب دون حسم واضح، يبدو أن المسؤولين الأمريكيين يواصلون بث رسائل متضاربة بشأن أهداف الحرب، بينما يحافظ النظام الإيراني ليس فقط على بقائه، بل أيضاً على قدرته على العمل، وبالمثل، يتزايد شعور اليأس بين السكان في ضوء الاحتمال، الذي يبدو الآن أكثر ترجيحاً، بأنهم سيُجبرون في نهاية الحرب على مواجهة واقع أشد قسوة مما كانوا يعيشونه قبل الحرب، ونظام أكثر تطرفاً ووحشية من ذي قبل.

في غضون ذلك، لا يزال قادة النظام في طهران يعتقدون أن حرب الاستنزاف التي نجحوا في فرضها على أعدائهم من خلال سيطرتهم المستمرة على مضيق هرمز، ونفوذهم على سوق الطاقة العالمية، واستمرار إطلاق الصواريخ باتجاه "إسرائيل" ودول الخليج، تمنحهم فرصة ليس فقط للبقاء في خضم هذه الحرب، بل لاستغلالها أيضاً لضمان وقف إطلاق نار دائم هذه المرة، وليس جولة أخرى من القتال، وبالأخص كفرصة لخلق نظام إقليمي جديد يعترف بمكانة إيران وقدرتها على إلحاق الضرر، إيران التي بدأت بالفعل في تحصيل رسوم رعاية من السفن التي تحصل على إذنها بالمرور عبر المضيق، تسمح بفتح جزئي وانتقائي لناقلات النفط والسفن، محولةً بذلك حركة الملاحة في المضيق إلى منخل سياسي تستطيع من خلاله معاقبة أو مكافأة الدول الأجنبية، وصرح نائب وزير الخارجية الإيراني "كاظم غريب آبادي" هذا الأسبوع بأن إيران تعمل بالفعل على صياغة بروتوكول مع سلطنة عمان للإشراف على العبور البحري في المضيق، وقد وصف النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف، الوضع بشكل جيد عندما قال إن أعداء إيران سعوا إلى إحداث تغيير في النظام في طهران، لكنهم في الواقع أدوا إلى تغيير النظام في هرمز.

تعتبر إيران قدرتها على مواصلة إطلاق الصواريخ وسيلةً لمواصلة حرب الاستنزاف لأسابيع أخرى، وكما ورد في صحيفة "نيويورك تايمز" هذا الأسبوع، فإن إيران لا تكتفي بإطلاق الصواريخ فحسب، بل تعيد بناء مخابئها تحت الأرض ومنشآت الإطلاق، بالإضافة إلى مستودعات الصواريخ التي تضررت جراء القصف، ورغم أنه على عكس حرب الأيام 12 في يونيو/حزيران 2025، يبدو أن "إسرائيل" والولايات المتحدة تعملان أيضاً على تعطيل سلاسل الإنتاج بهدف تأخير قدرة إيران على إعادة بناء منظومتها الصاروخية بعد الحرب قدر الإمكان، إلا أنه من الواضح أن إيران تحافظ على الأقل على قدراتها الصاروخية وقدرات منصات الإطلاق التي خزنتها مسبقاً في أنفاق التخزين الضخمة التي بنتها على مر السنين.

في هذا السياق، تستعد إيران لاحتمال أن تقرر الولايات المتحدة، بعد انتهاء مهلة الإنذار الأمريكي، الانتقال إلى مرحلة التصعيد، وربما المرحلة الأخيرة، في الحرب الحالية، قد تتميز هذه المرحلة بهجمات كبيرة وأكثر حدة على البنية التحتية المدنية، بما في ذلك البنية التحتية للطاقة ومحطات توليد الكهرباء، وتنفيذ عمليات برية - سواءً لرفع القيود المفروضة على مضيق هرمز أو لإزالة اليورانيوم المخصب بنسبة 60% المتبقي في المنشآت النووية، ورغم أن إيران لا تستبعد هذا الاحتمال، إلا أنها تعتقد أن لديها حلاً لهذا السيناريو أيضاً، ففي مواجهة احتمال الهجوم على البنية التحتية المدنية في إيران، تستعد إيران لتكثيف هجماتها على البنية التحتية الاقتصادية والمدنية في دول المنطقة، التي تضررت اقتصاداتها بشدة منذ بداية الحرب، وفي الوقت نفسه، تستعد إيران لاحتمال العمليات البرية الأمريكية على أمل استغلالها لإلحاق خسائر فادحة بالجيش الأمريكي.

بعد إسقاط الطائرة الأمريكية، كان هناك من رأى في إيران أن هذا دليل على أن مصير المقاتلين الأمريكيين العاملين على الأرض في إيران لن يختلف عن مصير القوات الأمريكية في عملية "مخلب النسر" في أبريل 1980، والتي كانت تهدف إلى إنقاذ 52 رهينة أمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران، والتي قُتل خلالها ثمانية مقاتلين.

حتى وإن كانت تقييمات طهران لقدرات الأمريكيين خاطئة، وللمرة الثانية يبدو أن القيادة الإيرانية، في اختيارها بين الاستسلام للمطالب الأمريكية والخوف من تحويل إيران إلى دولة أفقر وأكثر فشلاً، تُظهر تصميماً وحزماً مستمرين، ففي نظرها، تفوق رغبتها في الحفاظ على بقاء النظام الحاجة إلى الحفاظ على بقاء إيران كدولة، ويبدو أن النخبة الحاكمة في طهران ستمتنع هذه المرة أيضاً عن "شرب الكأس المسمومة"، كما فعل المرشد الأعلى الإيراني، آية الله الخميني، عندما وافق على وقف إطلاق النار مع العراق عام ١٩٨٨، وعلى أي حال من المشكوك فيه وجود أي شخص في طهران اليوم قادر على اتخاذ مثل هذا القرار، كما فعل مؤسس الثورة.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "راز زيميت"، مدير برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)،