ما الذي حققه قانون عقوبة الإعدام؟
ترجمة الهدهد
مقال رأي
يصعب المبالغة في وصف العاصفة التي أثارها قانون عقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين الذي أقره الكنيست الأسبوع الماضي، يبدو أنه لا توجد جهة مهنية أو أمنية أو قانونية أو دولية إلا ولديها تحفظات عليه، ولم يسلم أي جانب منه من الانتقادات، فهو يرسخ التمييز بين العرب واليهود، ويضع إجراءً غير مألوف: فرض عقوبة الإعدام دون طلب بالإجماع، وتسريع التنفيذ خلال 90 يومًا، وتقليص كبير في آليات التفتيش والمراجعة والتأجيل.
يعد القانون بالردع والقصاص على جرائم القتل، ويتجاهل تحذيرات المصادر الأمنية من أنه قد يحقق عكس ذلك: "زيادة دوافع الهجمات الإرهابية وتشجيع عمليات الخطف للمساومة وإحباط تنفيذ الحكم".
قبل كل شيء، يزعم القانون فرض عقوبة الإعدام الإلزامية على "الإرهابيين"، لكنه لا يفعل ذلك إلا ظاهريًا، فبغض النظر عن حقيقة أنه لا ينطبق على المشاركين في7 أكتوبر إطلاقًا، خلافًا لما تم تقديمه للجمهور، يتضح عند قراءة القانون نفسه أنه لا يفرض عقوبة الإعدام الإلزامية فعليًا.
تُعرَّف عقوبة الإعدام بأنها "إلزامية"، لكن من الممكن عمليًا التحايل عليها، لا توجد آلية في القانون تضمن فرضها فعليًا أو تنفيذ الحكم، حتى قبل صدوره كان من الممكن في بعض الحالات فرض عقوبة الإعدام، باستثناء حالات قليلة لم يحدث ذلك، لا يوجد في القانون ما يغير هذا الواقع، لم تُطبَّق عقوبة الإعدام في الماضي ولا يضمن هذا القانون تطبيقها في المستقبل.
من وجهة نظر مُبادري القانون، بقيادة الوزير "بن غفير" وعضو الكنيست "سون هار ميلخ" حتى لو لم يتم تنفيذ عقوبة الإعدام نفسها، فإن القانون يخدمهم كأداة معيارية لتعزيز أهداف إضافية وليس فقط كوسيلة للعقاب.
أولًا، يُرسّخ القانون تمييزًا معياريًا بين المتهمين العرب واليهود الذين ارتكبوا جرائم قتل بدافع قومي، فهو يُنشئ قانونًا مختلفًا لنفس الفعل، ويُصاغ بطريقة تمييزية: إذ يُوجّه فقط إلى الفلسطينيين ويستثني الإرهاب اليهودي، والمعنى ليس قانونيًا فحسب، بل معياريًا أيضًا، ف الواقع، يُعلن القانون أن شدّة الفعل تختلف عندما يرتكبه اليهود، فهو يُنشئ تسلسلًا هرميًا للقيم يمنح ضمنيًا شرعية جزئية لهذا النوع من العنف، وفي الوقت الذي يشهد تصاعدًا حادًا في أعمال العنف و"الإرهاب" التي يرتكبها اليهود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، بدلًا من إدانة هذه الأعمال وردع مرتكبيها، يستثنيها القانون ويمنحها دعمًا سياسيًا.
ثانيًا: يحدّ القانون من صلاحيات القيادة السياسية ويُشدد المواقف بشأن صفقات الرهائن المستقبلية، فهو يضع خطًا فاصلًا يكاد يستبعد تمامًا إمكانية إطلاق سراح اشخاص ملطخة أيديهم بالدماء مقابل "أسرى إسرائيليين"، حتى في حال وجود مبرر أمني أو إنساني لذلك، وبذلك، نجح الوزير "بن غفير" في ترسيخ موقفه وموقف أعضاء حزبه المتحفظ بشأن صفقات الرهائن في القانون، وتحويله إلى إطار ملزم يحدّ من قدرة "الحكومة" على اتخاذ قرارات بشأن مسألة الرهائن مستقبلًا.
إضافةً إلى ذلك، فإنّ الالتماسات المُقدّمة إلى المحكمة العليا لإبطال القانون تخدم مصالح مُقدّميها أيضاً، فمن وجهة نظرهم، تُعدّ هذه خطوة "رابحة" في جميع الأحوال: فإذا رُفضت الالتماسات، سيبقى القانون سارياً؛ وإذا أُبطل، فسيكون لديهم ذريعة أخرى لمهاجمة المحكمة وتعزيز سردية المحكمة العليا باعتبارها جهةً تُعرقل "إرادة الشعب"، وفي كلتا الحالتين، فإنّ النتيجة تصبّ في مصلحتهم.
لن تتمكن المحكمة العليا من تجاهل
في الواقع، يصعب فهم كيف يمكن للمحكمة العليا أن تتجاهل العيوب الجوهرية في القانون، وفي الوقت نفسه، باتت الفجوة بين القانون والسياسة المتبعة واضحة: إذ يسعى كبار "المسؤولين الإسرائيليين" في المحافل الدولية إلى صدّ الانتقادات اللاذعة والإدانات الدولية، مؤكدين أن المحكمة العليا تتوقع إبطال القانون وأن الوزير لا ينوي تنفيذه، وينتج عن ذلك وضع متناقض، يتمثل في قانون يُعلن عن موقف أكثر صرامة داخلياً، إلى جانب محاولة لتخفيف حدّته خارجياً.
في خضم هذا التناقض، يرى واضعو القانون أن التشريعات التي تحيد عن المعايير الدولية وتتجاوز التزامات "إسرائيل" تخلق احتكاكاً متوقعاً مع الدول والمؤسسات الدولية، ويمكن استغلال هذا الاحتكاك، فهو يسمح بتعزيز خطاب "إسرائيل في مواجهة العالم"، ويزيد من نطاق صلاحيات "الحكومة" في العمل مع تجاهل القيود الخارجية، حتى لو كان ذلك على حساب تعميق عزلة "إسرائيل" وإعادة تشكيل علاقاتها مع المجتمع الدولي.
في نهاية المطاف، لم تتحقق الأهداف المعلنة للقانون المتمثلة في الردع والقصاص عبر عقوبة الإعدام، إنه قانون لا يحل مشكلة أمنية ولا يغير الواقع القانوني، إنه لا يعكس قوة، بل استسلاماً لمنطق الغضب والانتقام، ويمنح أعداء "إسرائيل" النصر الذي يسعون إليه.
السؤال الأهم ليس ما إذا كان "القتلة الإرهابيون" يستحقون الموت، بل ما نوع الدولة التي تريد "إسرائيل" أن تكون، والإجابة التي تتضح من القانون مقلقة للغاية.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "تامي كينر"، رئيسة قسم القانون والأمن القومي في معهد دراسات الأمن القومي