التصويت لـ "ليبرمان" ليس هروباً من فكر "نتنياهو"
ترجمة الهدهد
مقال رأي
قبيل اندلاع المواجهة مع إيران، دار بيني وبين أحد المعارف من تيار يسار الوسط حديث كشف عن عمق المأزق السياسي الحالي، حيث عبّر عن إحباطه الشديد من الفساد المستشري والحرب التي لا تنتهي، ليصمني في ختام حديثه بقراره التصويت لـ "أفيغدور ليبرمان"، مبرراً ذلك بأن الرجل "يقول الحقيقة على الأقل".
لم يكن هذا الشخص حالة فردية أو ضعيف عقل، بل تبين أنه رائد لموجة جديدة من الناخبين الذين استبدلوا القناعات السياسية بانبهار شبه صوفي بفكرة "القول" ذاتها، بغض النظر عن مضمون ما يُقال.
وقد تجلى هذا التوجه المحير في نماذج اجتماعية مختلفة، مثل تلك المرأة المسنة التي ظهرت في مقطع فيديو على "تيك توك" وهي تلخص بؤس الكيان وتصف "نتنياهو" بأنه "لا يزال في المدرسة الثانوية"، لتعلن في النهاية أنها قد تصوت لليبرمان لأن "كلمته كلمة" رغم اعترافها بفساده، وكأن طبيعة تلك الكلمة، سواء كانت تدعو للفصل العنصري أو القمع، لم تعد ذات أهمية أمام وهم الوفاء بالوعد.
وفي سياق مشابه، كشفت الإعلامية "لوسي أهاريش" عن ترددها بين "يائير غولان" و"ليبرمان"، معتبرة أن الأخير لم يخلف وعداً قط، وهو منطق يذكرنا بالكاريكاتير الشهير للخراف التي تعجب بذئب يعدها بالالتهام لمجرد أنه "يقول الحقيقة كما هي"، وكأن ادعاء الصدق يعفي السياسي من المساءلة الأخلاقية عن بشاعة أفكاره.
إن الحقيقة التي يمثلها "ليبرمان" ليست صدقاً نادراً، بل هي وحشية سافرة وقومية متطرفة "بنيت" على الدعوة لترحيل العرب وشيطنة منظمات حقوق الإنسان، وقد تجسد هذا الانحلال الأيديولوجي مؤخراً في كونه من القلائل الذين صوتوا لصالح قانون "عقوبة الإعدام" الذي يعيدنا إلى حقب الفصل العنصري، وهو قانون يعد من أبشع ما مر في تاريخ الكيان.
إن محاولة تجميل هذا المسار بوصفه "وفاءً بالوعد" تشبه تماماً محاولة وصف إدانة ليبرمان السابقة بالاعتداء على طفل في الثانية عشرة من عمره بأنها "تربية حازمة".
لقد وصلت "المخيلة السياسية الإسرائيلية" إلى حالة من الفقر المدقع، حيث أصبحت تفتقر لأي أيديولوجيا حقيقية، وصار المعيار الوحيد لتقييم السياسي هو "ثباته على قوله" بدلاً من أخلاقية أو ديمقراطية هذا القول، هذا المناخ السياسي الحالي يكافئ الخطاب الحازم الذي يريح الجمهور من عناء التفكير والتعامل مع التعقيدات، وهو بالضبط سر جاذبية ليبرمان الذي لا يقدم حلولاً بل يوفر راحة مؤقتة من الضجيج المحيط.
وفي نهاية المطاف، فإن أولئك الذين يهربون من اشمئزازهم تجاه "نتنياهو" بالارتقاء في أحضان "ليبرمان" لا يواجهون نهج نتنياهو بل يعلنون انتصاره الكامل، فمشروع "نتنياهو" طويل الأمد كان يهدف دوماً إلى إفراغ اللغة من مضمونها والسياسة من قيمها والقيادة من مسؤوليتها، والتصويت لـ "ليبرمان" لمجرد أن "كلمته هي كلمته" هو الوجه الآخر للتصويت لـ "نتنياهو" بذريعة أنه "لا بديل له".
قد يرحل "نتنياهو" عن السلطة ويهزم في الانتخابات، لكن السياسة المشوهة التي زرعها في وعي الجمهور قد تجذرت فعلياً بعمق.
المصدر: "هآرتس"/ "يوعانا غونين"