ترجمة الهدهد

أعلن وزير الدفاع الأمريكي "بيت غاسيث" سحب نحو 5000 جندي أمريكي من القوات المتمركزة في ألمانيا، في خطوة وصفتها وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) صراحة بأنها "إجراء عقابي" ضد برلين.

ورغم بقاء نحو 31 ألف جندي أمريكي لمواصلة مهامهم، إلا أن هذا القرار يعكس تصاعد التوتر بين الرئيس "دونالد ترامب" والقادة الأوروبيين، خاصة بعد انتقادات المستشار الألماني "فريدريش ميرز" للاستراتيجية الأمريكية في المواجهة مع إيران.

دوافع القرار: بين العقاب والخطة طويلة الأمد

لا يبدو قرار "ترامب" مجرد نزوة عابرة أو رد فعل متسرع على عدم التعاون الألماني مع الولايات المتحدة و"كيان العدو الإسرائيلي" في حربهما ضد إيران، بل يمثل جزءاً من رؤيته التي تعتبر الوجود العسكري في أوروبا عبئاً تاريخياً يجب التخلص منه، وذلك بحسب صحيفة "هآرتس".

ويرى مراقبون أن المواجهة العلنية مع برلين وفّرت الذريعة السياسية لتنفيذ خطة تهدف إلى إعادة تعريف حدود التدخل الأمريكي في العالم وتقليص الالتزامات العسكرية الخارجية.

رغم خفض القوات لا ينوي "ترامب" التخلي حالياً عن الأصول الاستراتيجية في ألمانيا، التي تشكل العمود الفقري اللوجستي لقواته في أوروبا وأفريقيا؛ حيث تضم مدينة "شتوتغارت" مقرات القيادة الأوروبية (EUCOM) والأفريقية (AFRICOM)، بالإضافة إلى قاعدة "رامشتاين" الجوية الحيوية للرد في الشرق الأوسط وللعمليات ضد إيران، كما يظل مركز "لاندشتول" الطبي شريان حياة استراتيجياً لمعالجة الجنود الجرحى القادمين من جبهات القتال المختلفة.

ردود الفعل: قلق أوروبي وترقب روسي

أثارت الخطوة ردود فعل متباينة؛ فبينما أعرب وزير الدفاع الألماني "بوريس بيستوريوس" عن ضرورة بناء "أمن أوروبي مستقل"، حذر رئيس الوزراء البولندي "دونالد توسك" من تقويض التماسك الداخلي لحلف الناتو.

وفي المقابل احتفت وسائل الإعلام الروسية بالقرار ووصفته بـ "انتقام مارس"، وسط تقديرات بأن تراجع الوجود الأمريكي يضعف قدرة الردع ويخدم تطلعات "الكرملين" و"بكين" في تفكيك النظام العالمي القائم منذ الحرب العالمية الثانية.

انتقادات داخلية في الولايات المتحدة

داخلياً، واجه قرار "ترامب" انتقادات حادة من الحزب الديمقراطي وقيادات عسكرية سابقة؛ حيث اعتبر الجنرال المتقاعد "بن هودجز" أن هذه الخطوة تضر بالولايات المتحدة أكثر مما تضر ألمانيا، خاصة في ظل استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، محذراً من أن تلميحات سحب قوات إضافية من إسبانيا وإيطاليا تعزز شعور الخصوم بانهيار التحالف الغربي من الداخل.

قد تكتشف الولايات المتحدة قريباً أن قرار ترامب هو في الواقع سلاح ذو حدين اقتصادي وجيوسياسي.

مع استمرار الولايات المتحدة في الانسحاب والابتعاد عن أوروبا، سيضطر الأوروبيون إلى الاعتماد بشكل متزايد على صناعاتهم الدفاعية الخاصة، قامت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبولندا والدنمارك وغيرها من الدول بزيادة إنفاقها الدفاعي بشكل ملحوظ، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الإنفاق.

ستكون الصناعات الدفاعية المحلية هي الرابح الأكبر، بينما سيكون الخاسر الأكبر هو شركات تصنيع الدفاع الأمريكية، التي ستخسر عقودًا ضخمة لصالح تطويرات أوروبية مستقلة.

على المدى البعيد، ستكتشف القوة العظمى الأمريكية أنه من المستحيل الجمع بين سلطتي التهديد والتقليص في آنٍ واحد: فمن المستحيل تهديد الحلفاء وتقليص مشاركتهم، مع توقع الاستمرار في بسط نفوذها وقوتها العالمية، وفي نهاية المطاف، ستستبدل أوروبا، في مواجهة التهديد الروسي، حلف الناتو المتفكك بتحالفات عسكرية أخرى ذات طابع محلي، كالتحالف بين الدول الإسكندنافية ودول البلطيق.

في العام الماضي، اكتشف "ترامب" أنه بعد توقفه عن تمويل المساعدات العسكرية لأوكرانيا، فقد نفوذه على تحركاتها السياسية، فرغبته في تخليص الولايات المتحدة مما يعتبره أعباءً غير مرغوب فيها للتدخل الأمريكي في أوروبا، من شأنها أن تجعل الأوروبيين يتحملون مسؤولية أكبر عن أمنهم، ولكنها ستؤدي أيضاً إلى تقليص النفوذ الأمريكي في أوروبا بشكل كبير.

المصدر: صحيفة "هآرتس"