بين التمييز والإذلال
ترجمة الهدهد
تكشفت تسريبات ومعلومات جديدة من طهران ووزير الخارجية الأمريكي "ماركو روبيو" تشير إلى وجود مسودة مذكرة تفاهم مع الأمريكيين تتضمن اتفاقاً على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً.
وتأتي هذه المؤشرات لتؤكد تأرجح "بندول ترامب" (الرئيس الأمريكي) من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بين الاتفاق والحرب، وسط حالة من فقدان الثقة في سياساته ونزواته التي تُربك العقول وتفتقر إلى الاستراتيجية، لدرجة جعلت المراهنين على امتلاكه "حكمة خفية" أو "سلاحاً سرياً وحاسماً" يستسلمون للأمر الواقع.
وتثير المسودة المسربة قلقاً بالغاً لكونها تتجاهل تماماً الإجابة عن مصير "صناعة الموت"، ومستقبل "اليورانيوم"، و"الصواريخ الباليستية"، و"دعم الحلفاء"، مما يمثل استمراراً لنهج البيت الأبيض في إدارة "حرب بلا استراتيجية" تُفضي إلى ما بين الهزيمة والإذلال.
ويرى خبراء أن فترة الـ 60 يوماً من الهدنة ستكون بمثابة فرصة ذهبية لإعادة تأهيل إيران وتعزيز قدراتها؛ مستندة إلى خبرتها في الترميم السريع التي اكتسبتها بين "حرب الأيام الـ 12" في يونيو 2025 ونهاية فبراير 2026، حيث أنجز الإيرانيون خلالها الكثير وسيفعلون ذلك مجدداً، مع انعدام أي فرصة فعلية لاستئناف القتال بعد انقضاء المهلة بسبب التكاليف الباهظة لحالة الحرب دون وجود حرب حقيقية، وهو ما وُصف بـ "الجنون".
وعلى الصعيد الميداني، سينقل وقف إطلاق النار عبء النفقات والتكلفة اليومية لإبقاء الجيش والأسطول البحري والجوي الأمريكي في حالة تأهب قصوى إلى الجانب الأمريكي، وهي تكلفة تُقدر بعشرات الملايين يومياً وتُمثل "استنزافاً" حقيقياً لواشنطن تكون فيه إيران هي المستفيد الوحيد، خاصة إذا شملت التهدئة إنهاء الحصار البحري -ولو جزئياً- وهو الحصار الذي شكّل وسيلة لخنق "النظام الايراني"، ومثل هذا التراجع سيجعل "ترامب" نفسه أضحوكة.
وفي سياق متصل، كشف تسريب نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" أن "إسرائيل" أُقصيت تماماً من هذه المفاوضات؛ حيث يُنظر إلى "بنيامين نتنياهو" في واشنطن على أنه الرجل الذي زجّ بالولايات المتحدة في "مستنقع الشرق الأوسط"، ورغم عدم صحة هذا الادعاء كون أمريكا تصرفت وفق مصالحها الإقليمية والعالمية، إلا أن الحملة افتقرت منذ البداية للتخطيط وفهم العدو، فضلاً عن عجز "ترامب" عن إقناع الرأي العام الأمريكي بها.
وتتحول هذه المؤشرات التي تبدو كفشل أمريكي إلى "كارثة إسرائيلية" حتمية؛ فالنظام الإيراني يخرج منها أكثر قوة رغم معاناة الشعب الإيراني، لتجد "إسرائيل" نفسها عالقة في مواجهة ثلاث جبهات نشطة دون حسم وهي: "حماس"، و"حزب الله"، وإيران، ولكن بأيدٍ مكبلة.
وسوف تُوجه الأموال المتدفقة لطهران في حال إقرار الاتفاق نحو "الهوس العنصري بتدمير إسرائيل" بدلاً من التعليم أو الرعاية الاجتماعية، مما يمنح "حماس" و"حزب الله" شعوراً مضاعفاً بالقوة.
وتتجسد خطورة "المأق الإسرائيلي" في عجز "نتنياهو" عن التحرر من "حظر الحرب على حزب الله" -وهي مسألة لم تكن لتُلحق أي ضرر بالاتفاق مع إيران في الأصل- فإذا غدا الإيرانيون هم الطرف المؤثر على قرار "ترامب" حتى على الجبهة اللبنانية، فلن يتبقى شيء من أسطورة "النفوذ الإسرائيلي".
وينتهي المشهد بـ "إسرائيل" في أسوأ وضع استراتيجي عبر تاريخها بجبهات مفتوحة وأيدٍ مقيدة، في واقع مرير يصعب تصديقه يظهر خضوع قوة عظمى كأمريكا لدولة متعصبة يُفترض أنها ضعيفة، ليتضح أنه ليس حلماً بل واقع سيء يحدث بالفعل.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "بن درور يميني"