هذه ليست تسوية سياسية، بل تسوية تتعلق بالأمن القومي
ترجمة الهدهد
بدا أن "إسرائيل" قد انغمست الأسبوع الماضي مجدداً في إحدى دراماتها السياسية المألوفة: "نتنياهو" في مواجهة "الحريديم"، وتهديد بحل "الكنيست"، وانضباط الائتلاف الحكومي، والقراءة التمهيدية للقوانين، والتمارين البرلمانية والتأجيلات المستمرة. وسرعان ما امتدت الاستوديوهات بالخطاب "السياسي الـإسرائيلي" التقليدي والمهدئ: ""نتنياهو" و"الحريديم" في أزمة.. هل سيتشكل تحالف أم لا؟ وهل ستسقط الحكومة؟".
ولكن ربما كانت هذه هي المشكلة تحديداً؛ لأنه بمجرد ترجمة الأزمة إلى لغة التكتيكات السياسية، اختفى السؤال الجوهري الحقيقي، وهو ليس سؤالاً سياسياً، بل أمني، وربما وجودي.
لا ينبغي أن يكون السؤال ما إذا كانت الحكومة ستصمد بعد انتهاء الدورة البرلمانية، وإلى أي تاريخ ستؤجل أو تُقدّم الانتخابات، ولا ما إذا كان "الحريديم" سيطيحون بالائتلاف. بل ينبغي أن يكون السؤال: هل ستتمكن دولة "إسرائيل"، حتى بعد السابع من أكتوبر، من التمسك بالفكرة التي يقوم عليها مفهوم "جيش الشعب"؟ لأنه ببساطة، لا يوجد أمامها خيار آخر.
ومع ذلك، فإن هذا التحوّل في طبيعة النقاش لم يحدث من تلقاء نفسه، بل افتعله "بنيامين نتنياهو" بنفسه. ولهذا السبب تحديداً سارع إلى السيطرة على العملية المحيطة بالدعوة التمهيدية لحل "الكنيست"؛ وبهذه الطريقة، غيّر لغة "إسرائيل" في الحديث عن الحدث. لم يعد النقاش يدور حول نقص الجنود، أو استنزاف قوات الاحتياط، أو ما إذا كان نموذج "جيش الشعب" قادراً على خوض حرب استنزاف طويلة. منذ تلك اللحظة، رُحِّل السؤال إلى الساحة السياسية: هل سينهار الائتلاف؟ من سيفوز في هذه الجولة؟ ومن سيستسلم أولاً؟
كانت خطوة سياسية تبدو لامعة ظاهرياً، لكنها في الوقت نفسه شديدة الخطورة، تحديداً لأنها نجحت في اختزال حدث وطني مصيري إلى مجرد دراما برلمانية عابرة. وكعادته، مارس "نتنياهو" إدارة محسوبة للمخاطر، وأدرك أن الخطر الحقيقي الذي يهدد بقاءه لا يكمن في عملية التصويت داخل "الكنيست"، بل في احتمال أن يبدأ "الرأي العام الإسرائيلي" بالحديث بجدية وعمق عن معنى التجنيد الإجباري في زمن الحرب. لذلك، فعل ما يجيده دائماً: أعاد الحدث إلى الساحة التي يكون فيها الأقوى — ساحة المناورة والإدارة السياسية.
لقد كتب المفكر "مكيافيلي" في القرن الـ 16 أن السلطة السياسية لا تقوم فقط على السيطرة على الواقع، بل أيضاً على كيفية إدراك العامة له وتوجيه وعيهم. وعلى مر السنين، اكتسب "نتنياهو" خبرة نادرة في هذا الأمر تحديداً: ليس في حل تناقضات "المجتمع الإسرائيلي"، ولا في قيادة عملية سياسية حقيقية أو معالجة المشاكل من جذورها، بل في إدارة وتوجيه كيفية ظهور هذه الأزمات في الوعي العام.
بدلاً من الحديث عن الجيش.. تحدثنا عن "نتنياهو"
إنها عملية تحويل أزمة عميقة إلى مجرد مناورة تكتيكية مألوفة، وتحويل سؤال جوهري ومصيري إلى سؤال إداري بحت. لو أن النقاش العام في "إسرائيل" ظلّ مُركّزاً على جوهر المشكلة — على نقص القوى العاملة في المؤسسة العسكرية، وعلى استنزاف جنود الاحتياط، وعلى العدد الهائل من جولات الخدمة التي خاضها الإسرائيليون منذ أكتوبر، وعلى مسألة من يتحمّل العبء ومن يُعفى منه في أوقات الحرب — لكانت "إسرائيل" مُجبرة على مواجهة أحد أعمق التناقضات في حياتها العامة.
لم تعد هذه مجرد "قضية تخص المتشددين دينياً"، بل أصبحت مسألة تتعلق بقدرة الدولة نفسها على الاستمرار في مطالبة مواطنيها بالتضحية الجماعية، لا سيما بعد إخفاقات ميدانية أظهرت بوضوح النقص الحاد في القوى البشرية لدينا.
لكن، وبدلاً من الحديث عن الجيش، انشغلنا بالحديث عن "نتنياهو". وبدلاً من الحديث عن أزمة التجنيد، تحدثنا عن إدارة الائتلاف وتوازناته. وبدلاً من التساؤل عما إذا كان نموذج الخدمة العسكرية الـ "إسرائيلي" ينهار، تساءلنا عما إذا كان "الحريديم" قد "انطووا" وتراجعوا. وفجأة أصبح كل شيء مألوفاً من جديد، بل ومريحاً تقريباً: مجرد مناورة أخرى، نشرة إخبارية أخرى، وسجال تقليدي.
لقد أدرك "نتنياهو" أنه إذا بقي النقاش محصوراً في مسألة التجنيد في زمن الحرب، فستكون تلك دراما وطنية تهز أركان الدولة؛ أما إذا انتقل النقاش إلى مسألة المناورات السياسية، فلن يتعدى الأمر كونه مادة إضافية لنشرة الأخبار.
وعشية العيد، وبدلاً من الحديث عن الحرب مع إيران، والمنطقة الشمالية المحترقة وغير المحمية، والخسائر اليومية المتتالية في صفوف الجنود في لبنان، تلقينا مقطع فيديو آخر يثير الفتنة والانقسام. إن الانتخابات باتت على الأبواب، والمعارضة بدأت تستعد بقوة، ويمكننا القول إنها بدأت العمل أخيراً، بل وأضيف أن مهمتها باتت واضحة تماماً.
إن الأسئلة الأمنية الجوهرية التي تحدد مستقبل دولة "إسرائيل" تُهمَل مراراً وتكراراً وتُقحم في سياقات سياسية ضيقة ومختلفة. وكل ما يتبقى اليوم لإنقاذ البلاد هو عدم السماح لها بالغرق أو التدهور المستمر.
ولعل هذه هي أعمق مأساة تعيشها "إسرائيل" منذ السابع من أكتوبر: فبينما يزداد الواقع الأمني ثقلاً، وخطورةً، وعدم استقرار، لا يزال هناك من هم في النظام السياسي يحوّلون كل حدث مصيري إلى لغة الحملات الانتخابية التكتيكية. إنهم يستطيعون تشتيت النقاش العام وتوجيهه، ولكن، لا يمكنهم بأي حال من الأحوال إنكار أو إلغاء الواقع الحقيقي.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرونوت"/ "دانا بان لوزون"، متخصصة في مجال الإعلام، وطالبة دكتوراه في العلوم السياسية والحكومة في "الجامعة العبرية"، ومحاضرة في "كلية أونو الأكاديمية"