يدرك الخليج أنه لا يمكنه الاعتماد على الولايات المتحدة
ترجمة الهدهد
وقعت النخب السياسية في "إسرائيل" والولايات المتحدة في فخ منطقي يُعرف بـ "اختبار النصر المطلق"، نتيجة الانشغال المفرط بالخسائر المحتملة من أي اتفاق أو مذكرة تفاهم متعثرة مع إيران، رغم غياب الجدوى الحقيقية لأهداف الحرب منذ البداية؛ سواء تمثلت في إسقاط النظام بطهران، أو قطع صادرات النفط، أو تحييد التهديد النووي بالقصف.
وفي مقابل هذا الانسداد، أضاف الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" هدفاً طموحاً جديداً لقائمة انتصاراته، معتبراً أنه بعد الجهود الأمريكية لتنظيم هذه المعضلة المعقدة، بات من الضروري أن توقع دول المنطقة، على الأقل وفي الوقت نفسه، على "اتفاقيات أبراهام".
وتضم القائمة التي طرحها "ترامب" دولاً عدة؛ من بينها قطر –التي وصفها بالضيف الدائم في مكتب رئيس وزراء العدو– وتركيا التي يُعد رئيسها من أشد المعجبين بـ "بنيامين نتنياهو"، وباكستان التي أسماها "الشقيقة النووية" لـ "إسرائيل"، والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى الأردن ومصر اللتين يبدو أن معاهدات السلام الحالية معهما غير كافية بالنسبة لواشنطن.
غير أن هذه القائمة الطموحة أثارت تساؤلات حول غياب دمشق وبيروت عنها، لكنها في المقابل تفرض ضرورة قراءة التحولات البنيوية والعميقة في المشهد الاستراتيجي الإقليمي.
وتصطدم شعارات "تغيير وجه الشرق الأوسط" –التي رافقت الحرب منذ "7 أكتوبر" بزعم تأسيس بيئة إقليمية تصب في "مصلحة إسرائيل" بناءً على إنجازات تكتيكية كاحتلال غزة واغتيال قيادات حزب الله وإيران– بحقائق ميدانية مغايرة؛ إذ تواصل حماس السيطرة المدنية والعسكرية على مليوني نسمة وتستنزف قوات كبيرة للعدو رغم تقليص مساحة سيطرتها المباشرة إلى 40%.
وفي لبنان، يواصل حزب الله شن حرب شاملة لا يكبح جماحها سوى قيود فرضتها واشنطن بطلب إيراني، في حين لا تزال التحركات السياسية تُملى من طهران التي نجحت في توظيف سيطرتها الجغرافية على مضيق هرمز كأداة ضغط بديلة عن ترسانتها الصاروخية ومواقعها النووية المتضررة.
أما التحول الأبرز فيتمثل في فقدان الولايات المتحدة قدرتها على فرض سياستها أو بناء تحالفات موحدة لدعمها، مما دفع حلفاءها العرب لإعادة رسم شبكة علاقاتهم وولاءاتهم البينية ومع إيران.
وفي هذا السياق، حذر الباحث الإماراتي "طارق العتيبة" في مجلة "ذا ناشيونال إنترست" من أن "غياب الوحدة العربية سمح لتركيا وإيران بتوسيع نفوذهما، في حين تشكل دول الخليج وإسرائيل الثقل الموازن الوحيد"، معتبراً أن خروج الخليج من الكتلة العربية سيقضي عليها تماماً. وهو ما تقاطع مع تصريحات المستشار السياسي الإماراتي "أنور قرقاش" الذي انتقد تباين مواقف الدول الشقيقة بين "تقديم مساعدة حقيقية واكتفاء أخرى بتصريحات جوفاء"، مؤكداً أن الإمارات تجاوزت المفهوم "الأمريكي الإسرائيلي" القديم الذي كان يسعى لتصوير إيران كعدو مشترك بغية تصفية القضية الفلسطينية.
وفي المقابل، اهتزت أسس الاستراتيجية الإيرانية القائمة على ثلاثة أركان: "حلقة النار" في العراق ولبنان واليمن التي فشلت في توفير منطقة عازلة للمواجهة المباشرة، والعلاقات الاقتصادية مع الصين وروسيا التي لم توفر مظلة دفاعية عسكرية، والغطاء السياسي مع الخليج ومصر.
وبدورها، واجهت الدول العربية معضلة صعبة بعدما أدركت أن واشنطن لم تعد تراها أصلاً استراتيجياً حيوياً يجب حمايته بأي ثمن؛ مما يضعها أمام خيارات معقدة تتمثل في إمكانية تأسيس "تحالف ناتو إقليمي شقيق" قد يضم قوى عسكرية كتركيا وباكستان، أو اللجوء لاحتواء إيران وإشراكها حليفاً اقتصادياً في حال رفع العقوبات عنها، مما سيجعلها منافساً مشروعاً لدول الخليج.
وتخلص القراءة الاستراتيجية إلى أن النظرة الإقليمية لـ "إسرائيل" قد تبدلت؛ فبعدما كانت تُعتبر حلقة وصل رئيسية مع البيت الأبيض، بات يُنظر إليها كطرف جرّ المنطقة إلى حرب غير ضرورية ألحقت بها أضراراً جسيمة، كما أصبح تحالفها العسكري مع الإمارات يُفسر إقليمياً كتهديد مباشر، ويُشبه بمحور من "الدول الانفصالية" التي تسعى للتنافس على فرض الهيمنة الإقليمية خارج الأطر التقليدية للمنطقة.
المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "تسفي بارئيل"