شبكة الهدهد

أولاً: ملخص الأوضاع الميدانية والسياسية

1. الساحة الفلسطينية (قطاع غزة والضفة الغربية)

  • استمرار النزيف البشري والكارثة الإنسانية: تُشير البيانات التراكمية الصادرة عن وزارة الصحة بغزة إلى بلوغ إجمالي عدد الشهداء منذ 7 أكتوبر 2023 نحو 72,819 شهيداً، والإصابات 172,894 إصابة. وعلى الرغم من تفاهمات وقف إطلاق النار السابقة في 11 أكتوبر، إلا أن الخروقات أسفرت منذ ذلك الحين عن ارتقاء 922 شهيداً وإصابة 2,786 آخرين.
  • التصعيد في الـ 48 ساعة الأخيرة: استقبلت مستشفيات القطاع 16 شهيداً جديداً و39 إصابة، جراء عمليات قصف مدفعي وجوي مكثف طال مناطق مختلفة؛ من أبرزها استهداف مربعات سكنية في مخيم الشاطئ (تدمير وتضرر منازل عائلات خروب، أبو الليل، كباجة، أبو حسين، العمراني، وأبو هاني)، وقصف في محيط مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، ومواصي القرارة بخان يونس، وحي الزيتون بغزة.
  • سياسة الأحزمة النارية والإخلاء القسري: يعتمد "جيش العدو الإسرائيلي" على إصدار إنذارات إخلاء مفاجئة ومكثفة (كما حدث في مربع الشاطئ ودير البلح) تتبعها فوراً غارات تدميرية تهدف لتوسيع رقعة السيطرة الميدانية، حيث أعلن "بنيامين نتنياهو" صراحة أن "إسرائيل" تسيطر حالياً على 60% من مساحة القطاع، ويسعى للانتقال إلى 70% عبر التموضع في نقاط استراتيجية مثل "محور موراج".
  • الضفة الغربية: تشهد حالة من الاستنفار الأمني والتوتر الميداني المتبادل، وتمثل ذلك مؤخراً برصد محلقات مجهولة فوق مستوطنة "بيت إيل" قرب رام الله.

2. الساحة اللبنانية والسورية (جبهة الشمال)

  • خرق الخطوط الحمراء واستهداف العاصمة: لأول مرة منذ أسابيع (ومنذ إعلان وقف إطلاق النار المزعوم)، نفذ سلاح الجو الإسرائيلي بواسطة مقاتلات الشبح (F-35) غارة جوية مركزة على منطقة الشويفات في الضاحية الجنوبية لبيروت، مستهدفاً شقة سكنية لاغتيال "علي الحسني" قائد صواريخ فرقة الإمام الحسين التابعة وحزب الله، مما أدى لارتقاء امرأة وطفلين وإصابة 15 آخرين.
  • تجاوز نهر الليطاني: أعلن "نتنياهو" رسمياً أن "القوات الإسرائيلية" تجاوزت نهر الليطاني، ترافق ذلك مع قصف مدفعي وجوي طال أكثر من 135 هدفاً في صور، والنبطية، والبقاع الغربي، متسبباً بوقوع مجازر في صفوف المدنيين (استشهاد عسكري لبناني في زفتا، ونساء وأطفال في عدلون وصيدا والنبطية).
  • ردود حزب الله والعمليات الدفاعية: لم تتوقف طائرات حزب الله المسيرة وصواريخه الثقيلة عن دك مستوطنات وتجمعات العدو؛ حيث نفذ الحزب هجمات بمسيرات انقضاضية وصواريخ أبابيل وثقيلة مستهدفاً تجمعات ودبابات ميركافا وآليات في المالكية، والعديسة، وعرب اللويزة، وزوطر الشرقية، والقصير، ومسغاف عام.

3. المشهد السياسي والتحركات الدولية والإقليمية

  • الاتفاق الأمريكي-الإيراني المحتمل: كشفت تسريبات موقع "أكسيوس" والوسائل العبرية عن صياغة مسودة مذكرة تفاهم (لمدة 60 يوماً) بين واشنطن وطهران. تقضي المذكرة بتمديد وقف إطلاق النار وبدء مفاوضات نووية تلزم إيران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي ومناقشة التخلص من اليورانيوم عالي التخصيب. إلا أن الرئيس "ترامب" لم يمنح موافقته النهائية بعد للتفكير ومراجعة الصياغة، وسط معلومات تشير لرفض مجتبى خامنئي المصادقة عليها حتى الآن. تشترط إيران الإفراج عن أصولها المجمدة، وتصر على جعل وقف العدوان في لبنان جزءاً يتجزأ من الاتفاق الإقليمي.
  • الاشتباك العسكري في مضيق هرمز: شهدت المنطقة تصعيداً خطيراً بتبادل إطلاق صواريخ ونيران تحذيرية بين الجيشين الأمريكي والإيراني في مضيق هرمز بعد استهداف سفن أمريكية، بالتزامن مع تأكيدات أمريكية بإعادة فتح المضيق فوراً مع إبقاء الحصار الاستراتيجي وتخفيفه تدريجياً.
  • مشروع "مجلس السلام" لغزة واستنزاف السلطة الفلسطينية: تسعى "إدارة ترامب" لتوظيف نحو 5 مليارات دولار من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لدى "إسرائيل" منذ 2025 لتمويل مشروع "مجلس السلام" لإدارة قطاع غزة بعد الحرب، وسط أزمة تمويل خانقة للمشروع وعزوف أوروبي عنه، وهو ما اعتبره خبراء اقتصاديون أعمق أشكال "الاستعمار المالي" حيث يُموّل الشعب المحتل الكيان الإداري الذي يكرس احتلاله.
  • عقوبات أوروبية وقطيعة أممية: فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على منظمات وأفراد من "المستوطنين المتطرفين" (مثل حركات نحلا، ورغافيم، وأمانا)، في حين ردت "الخارجية الإسرائيلية" بقطع علاقاتها رسمياً مع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيريش" لإدراجه "كيانات إسرائيلية" في تقرير العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات.

ثانياً: تحليل وتقدير الموقف

يمكن استعراض المصالح والتحديات والسيناريوهات المتوقعة من خلال الأبعاد التالية:

  1. المأزق "الاستراتيجي الإسرائيلي":
    • ترى "النخبة الأمنية الإسرائيلية" أن توجهات "ترامب" البراغماتية والتجارية تمثل "فخاً استراتيجياً" يُقوّض "المفهوم الأمني الإسرائيلي". "ترامب" يفضل الحلول الوسط السريعة على الحسم العسكري المطول والنصر المطلق، مما يترك أزمة أمنية هي الأكبر لإسرائيل منذ عام 1948.
    • تخشى "القيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي" من أن يؤدي الاتفاق الأمريكي-الإيراني المرتقب إلى فرض بند يُلزم "إسرائيل" بوقف إطلاق نار شامل في لبنان وسحب قواتها من المنطقة الأمنية جنوب الليطاني، وهو ما تحاول إسرائيل منعه عبر تكثيف الهجمات الميدانية لفرض واقع "حزام أمني مستقل".
  2. التخبط والقيود الأمريكية في التنسيق:
    • تلزم الإدارة الأمريكية "إسرائيل" بآلية تنسيق صارمة؛ تفرض تقديم "إشعار مسبق" قبل تنفيذ أي عملية اغتيال هامة، وتمنع هدم الكتل السكنية والمباني الضخمة في العاصمة بيروت.
    • الهجوم الأخير في الضاحية جاء بعد حوار مكثف مع "إدارة ترامب" والتزام "إسرائيل" بقواعد اللعبة الضيقة عبر اغتيالات موضعية مستهدفة عوضاً عن التدمير الشامل للمربعات.
  3. حرب الاستنزاف وتفكك منظومة الردع الإقليمية:
    • فشل "الجيش الإسرائيلي" في تحييد خطر الطائرات المسيرة التابعة لحزب الله، والتوغل البري خلف الليطاني يزيد من كشف خطوط إمداد "الجنود الإسرائيليين" ويجعلهم أهدافاً سهلة وسريعة.
    • التراجع الأمريكي الفعلي عن تدمير المشروع النووي وإخضاع أذرع إيران يدفع دول الخليج (حسب تقديرات معاريف) إلى البحث عن تسويات ثنائية ومستقلة مع طهران للحفاظ على أمنها، بدلاً من المراهنة على حلف إقليمي تقوده "إسرائيل" المتآكلة داخلياً.
  4. الانقسام والشرخ الداخلي في "إسرائيل":
    • سياسياً: تظهر استطلاعات الرأي (مثل استطلاع يسرائيل هيوم ومعاريف) تفتتاً حزبياً واضحاً وانقساماً حاداً؛ حيث يتصدر الليكود بـ 23-25 مقعداً يليه حزب "معاً" بـ 22 مقعداً، مع عجز أي كتلة عن الوصول لـ 61 مقعداً حاسماً دون الاعتماد على الأحزاب العربية أو المتدينة.
    • اجتماعياً وعسكرياً: بلغت الأزمة الداخلية ذروتها مع خروج تظاهرات حاشدة وأعمال شغب لليهود "الحريديم" في القدس احتجاجاً على اعتقال المتهربين من الخدمة العسكرية. هذا التوتر أثر على التماسك الائتلافي لـ "نتنياهو"، حيث يهدد نواب من "يهدوت هتوراه" بالانتقام سياسياً في التصويت السري لمنصب مراقب الدولة.

ثالثاً: خلاصة تحليلية شاملة (السيناريوهات المستقبلية)

يُظهر تقاطع المعطيات الميدانية والسياسية ليوم 29 مايو 2026 أن الإقليم يقف على أعتاب مرحلة انتقالية حرجة تُديرها "إدارة ترامب" بعقلية الصفقات السريعة، وسط استماتة "إسرائيلية" لفرض وقائع جغرافية قسرية قبل فوات الأوان. ويمكن إيجاز الرؤية التحليلية في السيناريوهات والاتجاهات التالية:

  • السيناريو الأول: فرض التسوية والاحتواء (الأرجح): أن يوافق "ترامب" في نهاية المطاف على تمديد التفاهمات مع إيران لمدة 60 يوماً عقب إدخال بعض التعديلات. هذا السيناريو سيجبر "إسرائيل" على كبح جماح عملياتها العسكرية في لبنان، مما يعطي حزب الله فرصة لإعادة ترتيب صفوفه والبقاء كقوة فاعلة شمال الليطاني. هذا الأمر يمثل تراجعاً صريحاً لمفهوم "النصر المطلق" لنتنياهو.
  • السيناريو الثاني: الانفجار الشامل متعدد الجبهات: في حال انهيار المحادثات الأمريكية-الإيرانية بسبب اشتراطات طهران أو تصاعد حدة الاشتباكات العسكرية في مضيق هرمز وسفن الملاحة الدولية، فإن المنظومة الأمنية و"الجبهة الداخلية الإسرائيلية" أعلنت جهوزيتها القصوى للعودة الفورية لحرب مباشرة مع إيران وحزب الله دون إشارات إنذار مسبقة.
  • على صعيد قطاع غزة: تمضي "إسرائيل" في خطة قضم تدريجي للأراضي للوصول إلى سيطرة ميدانية بنسبة 70%. وبموازاة ذلك، فإن المقترح الأمريكي بتمويل إدارة القطاع عبر "الاستعمار المالي" ومصادرة أموال المقاصة يضع السلطة الفلسطينية أمام خيارين: إما الانهيار المالي الكامل أو القبول الضمني بتمويل البنية التحتية للعدو الجديد لغزة، مما يعمق الانقسام والشرخ الجيوسياسي الفلسطيني.
  • على الصعيد السياسي الداخلي لـ "إسرائيل": المؤشرات تتجه نحو استمرار المأزق السياسي؛ فإما جولات انتخابية متكررة دون حسم، أو التوجه قسراً نحو حكومة وحدة وطنية، نظراً لعدم قدرة أي تكتل يمينياً كان أم يساراً على تشكيل حكومة مستقرة بمعزل عن المكونات الحريدية أو العربية التي أصبحت بيضة القبان في أي انتخابات كنيست قادمة.