الصهيونية؟ عنصرية!
مقال رأي: "افراهام بورج" رئيس الكنيست السابق
ترجمة الهدهد
قبل كل انتخابات، يُشكّل الجميع هنا حكومات؛ فكل ناخب هو مُخطّط استراتيجي، والجميع مستشارون رفيعو المستوى.
هناك اتفاق واحد يُهيمن على كل شيء: يجب أن تكون "حكومة صهيونية"، بمعنى آخر: يبدو أن الجميع يُدرك، دون التصريح بذلك علانية، أن "الصهيونية" أصبحت رمزاً للإقصاء "اليهودي"، وفي الواقع، للعنصرية "اليهودية".
كيف لنا أن نفهم حكومةً تُشكَّل بدون "العرب"؟ صحيح أن بعض هذه الحكومات يعمل وفق رؤية "صهيونية" أوسع، تُقصي "العرب" و"الحريديم" على حد سواء؛ فهم يُجيدون أن يكونوا عنصريين ومعادين لـ"السامية" في آن واحد، ومع ذلك يظهرون كـ "وطنيين للغاية"، يا لحسن حظنا، ميزتان بسعر واحدة! في الواقع، داخل "إسرائيل" اليوم، "الصهيونية" هي وجه آخر للعنصرية.
يمكننا الاستغناء عن الحجج الواهية من قبيل: "تخيلوا دولة أوروبية أو أمريكية تتعهد أحزابها الرئيسية مسبقاً بتشكيل ائتلاف بدون يهود". يا له من مهرجان للبكاء والشفقة على الذات سينتج عن ذلك! ومع ذلك، وبشكل متكرر، فإن ما هو محظور على بقية العالم مسموح به لـ"اليهود" "الإسرائيليين" عندما يوجهونه ضد "الفلسطينيين"، الذين لا يقلون "سامية" عنا. لذا، دعونا نبقى هنا ونتعمق في المسائل "الصهيونية" ذاتها.
من المثير للسخرية، بل والمضحك، مشاهدة هذه الأولمبياد "الصهيونية"؛ حيث يتنافس سياسيون منهكون، لا يملكون ما يقدمونه سوى التحريض، على لقب "الصهيوني" الأفضل: "أنا صهيوني"، و"أنت صهيوني ما بعد صهيوني"، و"هو صهيوني حرفياً"، و"هي بالتأكيد ليست كذلك".
لقد أصبح مصطلح "ما بعد صهيوني" لعنة رهيبة، بل أسوأ لعنة ممكنة. عن ماذا يتحدثون حقاً؟ كانت فكرة "هرتزل"، على الأقل في بنيتها السياسية، واضحة بما فيه الكفاية: إقامة دولة قومية في بلاد "الشام" على غرار نموذج "أوروبا الوسطى" في القرن التاسع عشر؛ ديمقراطية برلمانية تُحل في إطارها تحديات الجماعة "اليهودية".
كان الانتقال من شعب متدين قديم إلى أمة حديثة علمانية أمراً جوهرياً، وقد جاء مصحوباً بتعليمات صريحة: "سنحترم الحاخامات، لكننا سنحرص على أن يكون مكانهم في المعابد، تماماً كما أن مكان الجيش في الثكنات". لم يدم هذا الوضع طويلاً؛ فاليوم، كلما اتجهت يميناً على المقياس "الصهيوني"، ازداد نفوذ الحاخامات داخل ثكنات "الجيش"، ليتحول إلى ذراع ممتدة للمشاغبين الدينيين. وكلما اتجهت يساراً، ازداد الولاء الأعمى لذلك الجيش الجامح نفسه، وتعاظم التذلل المستمر أمام الحاخامات. إن "الصهيونية"، في كلا طرفيها، تُقدّس الآن تحديداً المؤسسات التي سعى "هرتزل" إلى إبقائها ضمن حدودها.
ما المشكلة إذن؟ إن تعريف "الصهيوني" هذا زائد عن الحاجة من الأساس، ومن يصرّ على استخدامه إنما يفعل ذلك خدمةً للإقصاء والحقد. كانت "الصهيونية" حركةً تهدف إلى تمكين الشعب "اليهودي" من الانتقال من نظامٍ مُشتّتٍ في الشتات إلى هيكلٍ جديدٍ للحكم، مركزيٍّ وذي سيادة؛ لقد كانت بمثابة السقالات التي جعلت الانتقال من البيت القديم إلى الجديد ممكناً. وفي مايو/أيار عام 1948، اكتملت المهمة؛ وافتُتح البيت الجديد في ابتهاجٍ غير مسبوقٍ للشعب "اليهودي"، وفي كارثةٍ مروّعةٍ للشعب "الفلسطيني". ووسط كلّ هذا الابتهاج والذعر، لم يتذكّر أحدٌ إزالة السقالات، رغم أنها كانت زائدةً عن الحاجة تماماً منذ يوم بناء البيت. ومنذ ذلك الحين، أصبح لكل "إسرائيلي" ثلاثة أسماء؛ اسم عائلتنا هو: "نحن جميعاً بشر"، مثل جميع المخلوقات الأخرى. واسمنا الأوسط هو: "إسرائيليون"، بحكم بطاقة الهوية والجنسية.
أما الاسم الأول فيختلف باختلاف الهوية الدينية أو الثقافية لكل شخص. فلماذا نحتاج إلى اسم رابع، الاسم "الصهيوني"؟ ما الذي يضيفه ولا تغطيه الأسماء الثلاثة الأخرى؟ لا شيء جيداً على الإطلاق.
يُستخدم اختبار "هل أنت صهيوني؟" في "إسرائيل" لبناء سُلّم من الولاء والامتيازات، رغم أنه لا يوجد تعريف واحد يشمل جميع من يُطلقون على أنفسهم "صهاينة"؛ فالجميع يعلم من يتمتع بالامتيازات ومن يُستبعد. "الصهيونية" هي بمثابة المُرشِّح، وأداة الفرز التي يستخدمها "الإسرائيليون" للتمييز فيما بينهم.
يستخدم اليمين "الصهيونية" للتمييز ضد "فلسطينيي 48"، ويستخدمها التيار العيلماني (العلماني) لاحتقار المتشددين "الحريديم". وينضم المتشددون "الحريديم" بدورهم إلى هذه اللعبة، ويطلقون على أنفسهم اسم "الصهاينة" ليلعنوا اللاجئين والعمال المهاجرين، كما كان يفعل "إيلي يشاي" دون أي حنين. لكلٍّ منهم معاييره "الصهيونية" الخاصة، ولا يمكن لدولة ديمقراطية حقيقية أن تستمر على المدى الطويل بهذه الطريقة. في الدولة الديمقراطية، يُفترض أن تكون المواطنة هي المعيار الوحيد، دون أي اختبارات للهوية الأيديولوجية. وفي اللحظة التي حل فيها الاختبار "الصهيوني" محل اختبار المواطنة، ماتت الديمقراطية من الداخل. نحن، أكثر من غيرنا، يجب أن ندرك هذا؛ لأن تصنيف البشر حسب الدولة هو تحديداً ما أُجبر "اليهود" على الخضوع له مراراً وتكراراً عبر التاريخ. يبدو أن "اليهود" لا يرون سنامهم العنصري.
لهذا السبب، فإن استخدام "الاختبار الصهيوني" في عصرنا الحالي ليس مجرد بقايا لغوية قديمة، بل هو خيانة للهوية "الإسرائيلية"؛ فهو يُوحي للمواطنين، وخاصةً المواطنين "العرب"، بأن انتماءهم للدولة مشروط، ومرتبط بخضوعهم للإطار الأيديولوجي للأغلبية "اليهودية". كما أنه خيانة للديمقراطية؛ لأن الديمقراطية الحقيقية ملكٌ لجميع مواطنيها، وليس فقط لمن يجتازون اختباراً وطنياً داخلياً. عندما يصبح مصطلح "صهيوني" مرادفاً لـ "شرعي"، يصبح "غير الصهيوني" تلقائياً موضع شك، ومُعرَّضاً لحزمة كاملة من الإقصاء والتمييز. لذا، فليكن واضحاً: أنا لست صهيونياً، أنا "إسرائيلي". لقد أنهت "الصهيونية" مهمتها عام 1948، وجئتُ إلى العالم بعد انقضائها. أنا "إسرائيلي"، كجميع "الإسرائيليين"، أنتمي إلى شعبي، وأنتمي إلى شعوب أخرى، سواءً من يُفكر مثلي أو من يُخالفني الرأي؛ فكلنا سواسية.
بهذا المعنى الحاد والمؤلم، تحولت "الصهيونية" في "إسرائيل" اليوم إلى عنصرية. وطالما استمرّ من يدّعون رغبتهم في استبدال العقيدة العنصرية السائدة في التهرب من التصريح علانية بدعمهم للمساواة المدنية الكاملة، دون كل تلك الحيل والمراوغات "الصهيونية"، فهم في جوهرهم الشيء نفسه؛ ربما يكونون أكثر لطفاً، وأكثر علمانية بعض الشيء، ومع ذلك فهم انتقائيون بنفس القدر، وأبعد ما يكونون عن المساواة. سيبدأ البديل الديمقراطي الحقيقي في اللحظة التي يجرؤ فيها أحدهم داخل النظام السياسي على التصريح، بصوت واضح، بأن دولة "إسرائيل" ملك لجميع مواطنيها، وأن جنسيتهم هي المعيار الوحيد الذي يحدد مكانتهم. وإلى أن يُسمع هذا الصوت بوضوح ودون مراوغة، فإن من يقدمون نسخة أكثر تهذيباً من نفس التسلسل الهرمي لا يستحقون أصواتنا.