كيف تفرض المسيّرات حرباً برية واسعة على "إسرائيل"؟
ترجمة الهدهد
أخفقت نظرية الدفاع التكنولوجي المطلق التي عاش كيان العدو تحت تأثيرها لقرابة عقدين من الزمن؛ إذ تسببت العبقرية الهندسية لنظام "القبة الحديدية" في تخدير المستويات السياسية والعسكرية، وتحويل التهديد الصاروخي من قطاع غزة ولبنان من معضلة استراتيجية إلى مجرد "إزعاج إحصائي" يُشترى به سلام مؤقت بالمال، مما سمح ببناء وحوش عسكرية خلف الحدود تحت شعار "لا خسائر بشرية".
ويرى مراقبون أن غياب حل تكنولوجي سحري لخطر الطائرات المسيّرة الانتحارية اليوم، سيجبر "جيش العدو الإسرائيلي" على التخلي عن جولات الاحتواء، والعودة إلى المناورة البرية واحتلال الأراضي والبقاء فيها لمنع شل الاقتصاد والحياة اليومية.
وتختلف الطائرة المسيّرة جوهرياً عن الصواريخ الباليستية التقليدية التي تُطلق وتُنسى؛ فهي مركبة ديناميكية، رخيصة، قابلة للمناورة، ودقيقة بشكل مرعب أشبه بـ "مشرط الجراح" في مواجهة "القبضة العمياء" للصواريخ.
وتحت هذا الغطاء الدفاعي المخترق، تحول ما بدأ كحادث تكتيكي –متمثلاً في ضربة مسيّرة لمبنى أو موقع– إلى تهديد استراتيجي يعيد صياغة معادلة الشرق الأوسط؛ حيث تتحرك أسراب متواصلة تتجاوز الرادارات عمدًا، مما يجعل السيطرة الجوية و"النيران المعقمة" من الجو غير كافية لتحييد هذا الخطر المتصاعد.
وميدانياً، تتطلب مواجهة التهديد الجديد الوصول الفعلي إلى نهاية الألياف الضوئية التي يتحكم من خلالها المشغل بالمركبة وهو داخل ملجئه مرتدياً نظارات الواقع الافتراضي؛ فكلما توغلت تقنياتهم أعمق في الأرض، تعمقت معها مساحة المنطقة الأمنية التي سيتعين على "الجيش الإسرائيلي" السيطرة عليها وتطهيرها مادياً، وهو أسلوب يتجاوز حدود الأحزمة الأمنية التقليدية ويمتد ليفرض ظلاله على جبهات أخرى كالضفة الغربية.
ويعيد هذا المشهد التكنولوجي المتطور إنتاج التاريخ؛ ففي ثمانينيات القرن الماضي، شكلت هجمات منظمة التحرير الفلسطينية بصواريخ "الكاتيوشا" على المستوطنات الشمالية حدثاً تكتيكياً أجبر "إسرائيل" على شن عملية استراتيجية واسعة وصلت بها إلى بيروت لإنشاء حزام أمني، وهو السيناريو ذاته الذي تفرضه الطائرات المسيّرة اليوم في عام 2026 بعد تقليص المسافات وتطور القدرات.
وفي المحصلة، يحتاج "الجمهور الإسرائيلي" إلى استيعاب المعادلة الجديدة التي تؤكد غياب الدفاع الجوي المطلق؛ فالألياف الضوئية لا تُحارب بالتصريحات الإعلامية أو المنابر الدولية، وفي غياب الرد التكنولوجي، فإن السبيل الوحيد لوقف أسراب المسيّرات القادمة هو إرسال الجنود إلى عمق الأراضي اللبنانية، لتتحدد الحدود التالية بناءً على مدى رؤية المشغل في الجانب الآخر، وهو ما قد يدفع بالجيش مجدداً لخوض معارك البقاء في عمق صور وصيدا.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "مئير سويسا"