سيؤجل الانفجار إلى حين الانتخابات القادمة
ترجمة الهدهد
مقال رأي
إن الانتخابات التي أُجريت بعد حرب أكتوبر لم تُسفر عن أحداث سياسية مثيرة؛ فرغم الضربة القاسية وأكبر فشل استخباراتي في تاريخ الكيان، اختار الشعب ما هو عليه، وفاز حزب التحالف الحاكم بـ 51 مقعداً.
ويردف الكاتب "روتيم م. سيلا" في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن "غولدا" كانت محبوبة، وعندما نزلت لزيارة الجنود في الجنوب نُشرت صورة لهم وهم يصفقون لها، فشكّلت حكومة بسهولة، وبعد بضعة أشهر استقالت وسط مظاهرات ومعاناتها من مرض السرطان، ليخلفها "رئيس أركان" حرب الأيام الستة، "إسحاق رابين"، الذي عزز الائتلاف الحاكم لنحو ثلاث سنوات، ولم يُحاسب الشعب قيادته ويُحدث الانتفاضة إلا في مايو 1977.
ومن المثير للدهشة أن التاريخ يعيد نفسه؛ إذ تشير كل الدلائل إلى أنه في الأشهر المقبلة، من المتوقع أن يختار الجمهور، الذي يعاني من ضغوط نفسية متزايدة، المزيد من النهج المتبع، وأن يُفجّر فتيل الأزمة السياسية الحقيقية في الانتخابات اللاحقة، وهو ما يراه الكاتب منهجاً مُتّبعاً وليس من قبيل الصدفة.
ولم تكن الانتخابات التي أوصلت "بيغن" إلى السلطة مجرد تغيير في القيادة، بل جلبت معها تحالفاً ائتلافياً، وبنية اجتماعية سياسية قبلية لا تزال قائمة حتى اليوم، وفي الانتخابات التي أوصلت "نتنياهو" إلى السلطة عام 1996، حدد "آرثر فينكلشتاين" القبائل السياسية التي رسمت فعلياً ملامح ائتلاف "بيغن"، ألا وهي: اليهود والإسرايليون.
ويتساءل الكاتب عن دور المشاعر، مشيراً إلى أنه لو كان اختبار الرأي العام هو المقياس الوحيد للتغيير، لكانت الانتخابات المقبلة بمثابة زلزال، ففي السنوات الأربع التي تلت الانتخابات، غيّر معظم "الإسرائيليين" نظرتهم إلى بلادهم، وإلى أنفسهم، وإلى مكانتهم فيها، وهذا التغيير العبقرى والعميق الذي جعلهم أكثر تشابهاً، لم يأتِ من كتاب، أو مقال، أو خطاب، أو زعيم، بل حدث دون كلمات، من خلال الأفعال، ومن القاعدة الشعبية.
لقد دخل "الإسرائيليون" صباح 7 أكتوبر منقسمين بين حزب يهودي وحزب "إسرائيلي"، وفي الأشهر التي تلت ذلك، أثبت هؤلاء أنفسهم لأنفسهم أن الدفاع عن المصلحة الوطنية كان أهم بكثير بالنسبة لهم من أي شيء يفرقهم.
وشهد هذا الحدث أكبر حشدٍ لدولة غربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث دُعي "الإسرائيليون" إلى رفع العلم ووقفوا، وتجاوزت نسبة المشاركة في العديد من الوحدات القتالية 100% بعد حضور الناس حتى بدون استدعاء رسمي، ليبلغ عدد "الإسرائيليين" حوالي 300 ألف في غضون أيام قليلة.
وبالمقارنة، عندما حاول "بوتين" حشد عدد مماثل من الجنود في دولة يبلغ تعداد سكانها 140 مليون نسمة لخوض الحرب في أوكرانيا، كانت النتيجة حرق مكاتب التجنيد وفرار مئات الآلاف من الرجال من البلاد، أما "إسرائيل"، فكانت خلال جولات القتال العنيفة الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك نظام "رحلات الإنقاذ" الذي أعاد مواطنيها إلى ديارهم، إلى ساحة المعركة، وليس إلى خارجها.
وقد كرّس جمهور غفير نفسه للجهد الوطني طواعيةً، ليس لأسابيع بل لسنوات، وفي إطار هذه التعبئة والتعاون، أصبحت الاختلافات التي ميّزت الفصائل السياسية مجرد تفاصيل هامشية، ولن يُنسى هذا الدرس بعد أن أثبت مئات الآلاف من المجندين، والملايين الذين أحاطوا بهم في الجبهة الداخلية، لأنفسهم أنهم مستعدون للتضحية برفاهيتهم وأمنهم، بل وحياتهم في كثير من الأحيان، من أجل وجود الوطن.
وهكذا، فرغم عجز القيادة السياسية عن التوصل إلى حلول وسط مرضية تُفضي إلى مشاركة وتحمل العبء من جانب "اليهود المتشددين" وفلسطينيي 48، استمرت غالبية الشعب في إظهار مرونة وتفانٍ وشجاعة فريدة بين الأمم، وهي سمات يراها الكاتب فريدة ويرفض قادتها ولا يزالون يرفضون الكشف عنها.
وفي سياق الحديث عن عصر البودكاست، يتساءل الكاتب كيف تعرف جوهر القائد في القرن 21؟ ويرى أن الإجابة تكمن ببساطة في النظر إلى أدائه في "اختبار البودكاست"، فإذا كان السياسيون في عصر التلفزيون والصحف مُجبرين على اختصار رسائلهم إلى شعارات قصيرة ومطولة تُمرر عبر الاستوديوهات أو تُضاف إليها مواد تحريرية، فإن عصر البودكاست يُتيح للقائد المُحتمل أن يُدخلك إلى غرفة معيشتك، ويخلع سترته الرسمية، ويفتح أزرار قميصه، ويُتيح لك مُشاهدته وهو يُجري حواراً صريحاً وعميقاً حول المسار الذي يُريد أن يسلكه بك وببلادك.
وقد أصبحت ثقافة البودكاست الوسيلة الأساسية التي يستهلك بها الشباب المعلومات السياسية، لأنها تحتفي بالأصالة والصدق والحوار المفتوح والصريح، ولذلك، فإن معظم برامج البودكاست الناجحة القائمة على المقابلات لا تتبع لوسائل الإعلام التقليدية أو الأحزاب السياسية أو المنظمات، بل يقدمها أشخاص مستقلون ملتزمون بالفضول وجمهورهم والحقيقة.
وفي الحملة الانتخابية الأخيرة، زارهم "ترامب"، ولم يرحموه بدورهم؛ إذ هاجمه "ليكس فريدمان" بسبب مزاعمه بالتزوير في انتخابات 2020، مما أجبره على الاعتراف بأنه "خسر بفارق ضئيل"، وواجهه "جو روغان" بشأن عدم استقرار ولايته الأولى وسأله مباشرة: "لماذا ينحرف الكثير من الناس جنسياً؟"، ووجه إليه "ثيو فون" أسئلة متطفلة عن شقيقه الذي توفي بسبب إدمان الكحول، وسخر منه "أندرو شولتز" لما اعتبره موقفاً جباناً من الإجهاض.
ولم يكن الأمر سهلاً، لكن الجمهور أحبه، فمع أن المحتوى لم يكن دائماً مناسباً لـ "ترامب"، إلا أن الناخبين أدركوا التزامه بصيغة البودكاست: الصدق والكشف الجذري، فالسياسي الذي يريد قول الحقيقة، ولديه رؤية جديدة رائدة وضرورية لكيفية إدارة البلاد، يخرج من منطقة راحته ويستغل أي فرصة سانحة ليُفكر، ويجادل، والأهم من ذلك، يشرح -حتى للمحاور المتشكك أو المعارض- ما دفعه إلى التحرك للوقوف والمطالبة بالقيادة.
وفي المقابل، لا يتسم قادة المعارضة والائتلاف في "إسرائيل" بالصدق والشفافية المطلقة، فبدلاً من أن يكونوا كرماء في الكلام والمقابلات، ينعزلون في زواياهم كلاعبي البوكر، يلقون علينا شعاراتٍ من عصر التلفزيون، ويذهبون إلى استوديوهاتٍ صديقةٍ لهم بميكروفوناتٍ تُشبه تلك المستخدمة في البودكاست، لكنهم يتجنبون الحوارات العفوية.
وفي هذا الصدد، طلب "باراك هيرشكوفيتز"، أحد أبرز مُقدمي البودكاست السياسي في "إسرائيل"، إجراء مقابلة مع "آيزنكوت"، لكن ذلك لم يحدث، وفي منشور على موقع "X"، قال "هيرشكوفيتز": "في البداية، كان الجو إيجابياً. لكنني أخبرت فريقه أنني سأسأله: كيف ينوي إصلاح الأنظمة الأمنية؟ ما هي خططه الاقتصادية؟ بشكل عام، ما هي خططه للبلاد؟ تلقيت رداً سلبياً. لن يأتي، بل سيتجاهلني تماماً"، وهي حالة تتعلق بـ "آيزنكوت" ولكنها تنطبق على القيادات العليا في اليمين واليسار.
وفي الماضي، كان بإمكان السياسيين تبرير أسلوبهم المبهم وغير الواضح في إيصال رسائلهم بالقول إنهم مضطرون لذلك كونه طبيعة التواصل، أما اليوم، فيتضح جلياً أنهم لا يريدونك أن تعرف حقيقتهم ولا ما يفكرون فيه، إنهم يكتمون أفكارهم وأحلامهم الحقيقية، بينما يبتسمون لك بحرارة من على اللوحات الإعلانية، طالبين منك أن تمنحهم صوتك في الجولة القادمة، وعندما لا يكونون منشغلين بترديد الشعارات أو توجيه الإهانات، فإنهم يقترحون خططاً لتغيير العالم لمؤسسات ورموز لا تخص إلا جماهير لن تصوت لهم أبداً، ويتصرفون بهذه الطريقة ليس بدافع الحقد أو عدم الاهتمام، بل لأنهم ببساطة يجهلون الحقيقة.
والحقيقة هي أنهم يشاركون في سباق القيادة بحكم الأمر الواقع، فهم موجودون بالفعل، وفي غياب رؤية ملهمة، لا يسعون إلى فرصة للقيادة، بل إلى دور للمشاركة في الجولة الحالية من لعبة الكراسي الموسيقية على أمل البقاء حول الطاولة، وإن أمكن، الوصول إلى رأسها.
وإذا كان هذا كل ما يتعلق بالأخبار السيئة، فإن الأخبار الجيدة هي أن انتخابات عام 1973 تُعلّمنا شيئاً آخر: أن التغيير قادم لا محالة، ورغم أن "إسرائيل" لا تزال في حالة حرب، ومُستنفدة، وتُعاني، فإن تحوّل المشاعر إلى أفكار، وتحوّل الأفكار إلى حركات اجتماعية وسياسية، يستغرق وقتاً لا يعرف مواعيد نهائية مصطنعة كالانتخابات، فالتغيير لا ينتظر صناديق الاقتراع، بل ينتظر الفكرة، ومن يعرف كيف يُقدّمها.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ " روتيم م. سيلا"