ترجمة الهدهد

تواجه الروح المعنوية والثقة الاستراتيجية في "إسرائيل" تآكلاً تدريجياً بفعل تحول "حروب الوجود" -التي تبدأ بضربات افتتاحية مدوية وأهداف دينية وأسماء أسطورية- إلى مجرد جولات قتالية عادية وروتين مضطرب لا طائل منه؛ حيث تنتهي الجولات العسكرية بشعور مرير بالفشل والإحباط، في ظل غياب أي أفق للتعلم من التجارب السابقة لتحقيق نصر حقيقي أو التوصل إلى نتيجة دبلوماسية مستدامة، مما يجعل الحرب في عهد "بنيامين نتنياهو" هي المسار والغاية والخطة معاً دون تحقيق أي هدف ملموس.

وبحسب الكاتب "ليئور بن عامي"، يبرز هذا العجز الاستراتيجي في تعامل "حكومة نتنياهو" مع ملف طهران؛ فبعد جولة المفاوضات الأخيرة، خرج "نتنياهو" ليعلن مجدداً: "أتعهد وأتعهد مجدداً بأن إيران لن تمتلك أسلحة نووية"، وهو تصريح يرى المحللون أنه لا يعدو كونة تعهداً بجولات حرب أخرى قادمة لا معنى لها، لاسيما بعد انقشاع وهج الحملة الثانية ضد إيران التي بدأت بشعور أن التاريخ يهتز وبضرورة استغلال الدعم الأمريكي، لتنتهي بتبدد المعنى وتحقيق "نتنياهو" لنصر وحيد ومكرر يتمثل في القضاء على ثقة "الإسرائيليين" بمسارهم وصوابه، وسط يقين شعبي وعسكري بأن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" سيوقف أي تحرك "إسرائيلي" بغض النظر عن الأهداف المعلنة.

وتعكس كواليس الجولة الأخيرة العبثية السياسية والميدانية التي تعيشها "تل أبيب"، إذ بدأت باستهداف "إسرائيل" لمكتب خالٍ في الضاحية الجنوبية، ليرد الإيرانيون بعبارة "انظروا إلى السماء عند منتصف الليل" ويطلقوا صواريخهم، مما دفع "ترامب" للتصريح للإعلامي "باراك رافيد" بأنه سيتصل بـ"بنيامين" فوراً لمنعه من الهجوم؛ ومع ذلك، هاجم "نتنياهو" ليلاً متبوعاً بردود يمنية وإيرانية متبادلة، شلّت روتين الحياة الطبيعية والتجمعات، قبل أن يعلن "ترامب" أن الأمر بلغ حده وتعلن طهران انتهاء جمرتها وكأن شيئاً لم يكن، لينشر "نتنياهو" مقطع فيديو ختامي بعيداً عن وقت الذروة ويمضي الجميع قدماً في حدث غريب لم يعد مستغرباً في "الوعي الإسرائيلي".

ويتجلى هذا اليأس المجتمعي في المشهد اليومي المصاحب لصافرات الإنذار؛ فبمجرد إطلاق الصواريخ الإيرانية، يتردد في الأحياء صوت إغلاق النوافذ المعدنية المحصنة كـ"موسيقى تصويرية لليأس"، وسط إدراك العامة بأن تبرير عودة جميع الطائرات بسلام إلى قواعدها يعود لتدخل "ترامب" السريع وغضبه الذي لم يترك لـ "نتنياهو" خياراً آخر؛ مما يدفع "الإسرائيليين" للتساؤل عن جدوى هذه المعارك المحسومة مسبقاً، والعودة مجدداً إلى "روتين الحرب الطبيعي" الذي يُختزل في تدوينات عبر منصة "إكس" تُوجه للأمهات اليهوديات، بينما يغلق القادة نوافذ مراكز القيادة ببطء مستمعين لصوتها المعدني.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "ليئور بن عامي