ما الذي حققناه في إيران، وما الذي لم نحققه؟
ترجمة الهدهد
"يديعوت أحرنوت"/ "رون بن يشاي"
تُشير التقييمات الاستراتيجية المستندة إلى محادثات مع كبار الخبراء في مجالات الاستخبارات، العمليات القتالية، والمتخصصين النوويين، إلى أن مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة مؤخراً وأنهت حملة "زئير الأسد"، تشكل نقطة انحدار استراتيجي حادة لـ "إسرائيل" في صراعها الطويل مع طهران.
ورغم الإنجازات الباهرة والتعاون التاريخي بين القيادة المركزية الأمريكية و"الجيش الإسرائيلي" الذي نجح في تأخير البرامج النووية والصاروخية الإيرانية لسنوات، فإن هذه المذكرة التي انتزعها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" من الإيرانيين منحت النظام الإيراني انتصاراً معنوياً يعزز قدرتهم على البقاء وقمع شعبهم، ووفرت لهم دعماً اقتصادياً لاستعادة قدراتهم وإصلاح الدمار، فضلاً عن استغلالهم لـ "ترامب" للحد من حرية عمل "الجيش الإسرائيلي" في إيران ولبنان، وزرع شرخ دبلوماسي عميق بين الكيان وواشنطن.
وتعود جذور هذا التدهور إلى تسارع العمليات العسكرية؛ فخلافاً لمزاعم معارضي الحرب في الولايات المتحدة، لم يجرّ رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" الأمريكيين إلى المواجهة، بل انتهز فرصة إعلان "ترامب" للمتظاهرين الإيرانيين بأن "المساعدة قادمة"، ليقدم له بالتعاون مع رئيس "الموساد" ورئيس الأركان خطة عملياتية سريعة أطلقت عمليتي "زئير الأسد" و"الغضب الملحمي" لتعميق إنجازات عملية "شعب كالأسد" (يونيو 2025).
ومع ذلك، ساد انطباع في الإعلام الأمريكي بأن "إسرائيل" استدرجت واشنطن لحرب تستنزف مواردها ولا تخدم مصالحها، مما سرع الفجوة بين الطرفين، لاسيما بعد أن وافق "ترامب" بناءً على حدسه المتقلب ــ ودون إعداد رد عسكري لاحتمالات إغلاق مضيق هرمز ــ على تقديم موعد العملية للاستفادة من فرصة استخباراتية مفاجئة وفرتها المخابرات في فبراير لقطع رؤوس المرشد الأعلى "علي خامنئي" والقيادة الأمنية بأكملها.
وفي المقابل، استغلت إيران أوراقها المتاحة بأعلى كفاءة؛ حيث نفذت "ضربة استراتيجية" تشبه أسلوب "الجودو" عبر إغلاق "مضيق هرمز"، مراهنةً بنجاح على أن "ترامب" لن يمتلك الشجاعة لمخالفة الرأي العام الأمريكي والدول الخليجية الخائفة من الانتقام، مما هدد مكانته السياسية في انتخابات التجديد النصفي.
وأمام هذا الضغط، ارتكب "ترامب" خطأً بدائياً في فن التفاوض بإبداء حرصه على فتح المضيق عبر الدبلوماسية رغم قوته العسكرية الهائلة، ممتنعاً عن تنفيذ تهديداته باستئناف القتال، مما حول الهزيمة العسكرية الإيرانية إلى نصر دبلوماسي جعل "إسرائيل" الضحية الرئيسية بفقدانها القدرة على التأثير في أمنها القومي، وتحولها في الرأي العام العالمي إلى مجرد "كلب هجومي فعال لكنه غير مسؤول" يدين بوجوده لواشنطن.
أما على الصعيد النووي، فيؤكد الخبراء النوويون أن "إسرائيل" لم تكن في خطر إبادة وشيكة كما ادعى "نتنياهو"، لكنها أطلقت عملية "شعب كالأسد" لأن إيران كانت على وشك امتلاك المعرفة والقدرة المادية لإنتاج جهاز نووي أولي في غضون أشهر، مستندة إلى 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%؛ ورغم أن "ترامب" أوقف "إسرائيل" بعد 12 يوماً من العملية، فإنها حققت 80% من أهدافها، وأكملت القاذفات الأمريكية المهمة بتدمير منشأة "فوردو" المحصنة تحت الأرض وتصفية علماء بارزين، مما أخر البرنامج النووي الإيراني لفترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات.
وتُظهر التحليلات التقنية أن إيران لا تستطيع حالياً الوصول لقنبلة تشغيلية في غضون أسابيع أو أشهر حتى لو امتلكت منشأة مخفية، لأنها تحتاج تكنولوجياً لضمان عمل الرأس الحربي الصاروخي وامتلاك ترانساً لا يقل عن 5 قنابل لتأمين الردع ضد "قدرة الضربة الثانية" (الجوية، البرية، والبحرية عبر الغواصات) التي تمتلكها "إسرائيل"، بالإضافة إلى حاجتها لإجراء تجارب تحت الأرض لا يمكن إخفاؤها عن أجهزة الرصد الدولية والوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرية الاستخبارات بقيادة اللواء "شلومي بيندر"، وهي خطوة ستمتنع عنها طهران لتجنب عقوبات مدمرة كنموذج كوريا الشمالية.
وفي المقابل، يظل خطر الصواريخ الباليستية قائماً؛ فبحلول مطلع عام 2026، رصدت الاستخبارات خطة إيرانية تقليدية لتدمير "إسرائيل" عبر إطلاق مئات الصواريخ في وابل واحد لا يمكن اعتراضه، وهو ما وصفه "نتنياهو" بـ "قنبلة ذرية صغيرة".
وكانت عملية "زئير الأسد" تهدف لإحباط هذه الخطة التي استندت عشيتها إيران إلى 2500 صاروخ بعيد المدى ومئات المنصات المخبأة في أنفاق صخرية بعمق يزيد عن 100 متر؛ ونظراً لعدم امتلاك "إسرائيل" لقنابل تخترق هذا العمق، واقتصار الأمريكيين على قنابل بوزن 12 طناً، تم اعتماد خطة لسد مداخل الأنفاق. ورغم نجاحها في منطقة "كالوي"، استوعب الإيرانيون الدرس وجهزوا جرافات "D9" عملاقة لإزالة الصخور والأتربة فور توقف القصف واستئناف الإطلاق، مما خلق معركة مستمرة لإعادة سدها؛ ورغم ذلك، تم تعطيل أكثر من 50% من المنصات الإيرانية وتخفيض ترسانتها الحالية لأكثر من ألف صاروخ ومئات المسيرات، وهو ما يفرض عليها اقتصاد تسلح حذر لا يتجاوز بضع عشرات من الإطلاقات يومياً.
ويبقى الإنجاز الاستراتيجي الأكبر للجيشين "الإسرائيلي" والأمريكي هو التدمير المنهجي الكامل لمجمعات الصناعات الدفاعية، ومصانع الصلب والبتروكيماويات، ومراكز البحث والتطوير الإيرانية، مما يحرم طهران من القدرة على إعادة البناء السريع واستعادة مخزونها الصاروخي لسنوات قد تمتد لثلاث سنوات حتى لو توفر الدعم المالي؛ كما نجح سلاح الجو في التعطيل شبه الكامل لأنظمة الكشف والاعتراض للدفاع الجوي الإيراني، مما وفر حرية حركة استراتيجية رادعة في الأجواء الإيرانية وجعل البنية التحتية لطهران عرضة للهجوم.
ورغم رضوخ "ترامب" للمطالب الإيرانية بتقييد "إسرائيل" بموجب المذكرة الغامضة، يؤكد مصدر أمني رفيع أن لدى "الجيش الإسرائيلي" خططاً عملياتية مفصلة ومدعومة بالوسائل لمنع إيران من الحيازة النووية وهي جاهزة للتنفيذ فوراً إذا وافقت القيادة السياسية، مع خشية "إسرائيل" من مسارعة إيران لاستعادة منظوماتها الدفاعية بمساعدة صينية أو روسية.
وعلى صعيد النفوذ الإقليمي، يقود "الموساد" خطة للإطاحة بالنظام الإيراني عبر دعم وتسليح أقليات كردية جُلبت من العراق بالتعاون مع وكالة المخابرات الأمريكية، غير أن "ترامب" أفشل المشروع بعد محادثة مع "أردوغان"؛ ومع ذلك، يبدي قسم التأثير الجديد في "الموساد" الذي أنشأه "ديدي بارنيع" ثقة كبيرة في سقوط النظام خلال سنتين إلى ثلاث سنوات بسبب الأزمات الداخلية المتمثلة في انهيار البنية التحتية للمياه والصرف والكهرباء والتضخم المتصاعد وبطالة الشباب، محذرين من أن "ترامب" هو الوحيد القادر على إنقاذ النظام إذا تسرع في رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة.
وقد كشفت المعارك السابقة هشاشة "محور المقاومة"، حيث خذل الحلفاء طهران في عملية "كالأسد" وتجنب "حزب الله" القتال واختفى "الحوثيون" تدريجياً، لكن عملية "زئير الأسد" مثلت نقطة تحول بعد اغتيال "خامنئي"، حيث استجاب الأمين العام للحزب "نعيم قاسم" لإملاءات طهران ونفذ هجمات صاروخية رمزية انتهكت وقف إطلاق النار في لبنان، مما تسبب في تهجير عشرات الآلاف من سكان الجليل وغضبهم من الحكومة، وهو ما دفع إسرائيل لتوسيع عملياتها متسببة في تدمير "الضاحية" ولجوء مليون نازح شيعي نحو الشمال، لتنتهي الجولة بفرض طهران لاستراتيجية "ربط الساحات" على "ترامب" وتقييد حركة إسرائيل العملياتية في لبنان، في وقت تسعى فيه إيران لإعادة بناء لوجستي جديد لوكلائها بعيداً عن سوريا التي يسيطر عليها الجهاديون السنة المعارضون للشيعة.
أما في الملف اللبناني، فإن القصة لم تنتهِ بعد؛ فرغم ضعف "حزب الله" الشديد بعد خسارته لـ 8000 مقاتل وقائد من أصل 30 ألفاً منذ أكتوبر 2023 وفقدانه لمنظوماته الثقيلة وتصاعد المعارضة الشيعية والداخلية ضده، فإن الحزب لا يزال يمتلك ما يكفي من الصواريخ والمسيرات الموجهة بالألياف الضوئية لشن حرب عصابات متطورة ضد "القوات الإسرائيلية" المتمركزة في "المنطقة الأمنية" بين الحدود و"الخط الأصفر" الجديد الذي يمتد جنوب هضبة "النبطية" وصولاً للبحر.
ويُعد وضع "إسرائيل" أفضل بكثير من ذي قبل بعد تمركز الجيش في مشارف "النبطية" ومناطق "قلعة الشقيف" و"علي طاهر" وتدمير كيلومترات من الأنفاق القتالية، إلا أن الجيش لا يملك القوة البشرية والموارد لاحتلال كامل لبنان ونزع سلاح الحزب نهائياً، وقد زادت مذكرة "ترامب" الوضع سوءاً بتقييد حرية الحركة؛ ولذلك اعتمد الجيش مسارات بديلة تشمل: التمسك بـ "المنطقة الأمنية" ورفض الانسحاب حالياً بانتظار المفاوضات مع الحكومة اللبنانية، ومواصلة قصف مصادر النيران ووادي لبنان ــ مع تجنب ضرب بيروت مؤقتاً لتفادي تداعيات سلبية من ترامب ــ وإجبار عناصر الحزب على الصعود شمال الليطاني، ومنع عودة سكان القرى الحدودية اللبنانية، بالتوازي مع تطبيق مفهوم أمني جديد يفصل القوات بين المسلحين والمستوطنات، مما يحمي المدنيين ولكنه يحول الجنود المتمركزين بانتظام إلى أهداف للعبوات والكمائن.
وفي الختام، يرى المحلل العسكري أن "إسرائيل" التي طوّرت مفهوماً أمنياً يقوم على حل كل مشكلة بالقوة نتيجة لصدمة 7 أكتوبر، قد تفشل في تحويل إنجازاتها العسكرية المتمثلة في تواجد 12 لواءً ضمن مساحة 1220 كيلومتراً مربعاً من أراضي العدو السابقة إلى ترتيبات سياسية مستقرة؛ حيث يتطلب الحل النهائي مفاوضات جادة مع الحكومة اللبنانية واستقطاب دعم اقتصادي سعودي وأمريكي لتعزيز قدرات الرئيس "عون" وجيشه لإبعاد الحزب ومنع إعادة إعماره بأموال إيرانية.
ورغم قرار رئيس الأركان "زامير" ببدء عودة التشكيلات النظامية للتدريب وتسريح قوات الاحتياط بحلول "عيد تشري" ــ رغم عدم إقرار قانون تمديد الخدمة في "الكنيست" ــ فإن إدارة "ترامب" القائمة على الغرائز والتقلبات تعني أن النهاية ليست وشيكة، وأن المعارك قد تُستأنف في أي لحظة؛ وبالرغم من أن "الإسرائيليين" باتوا أكثر أماناً مما كانوا عليه قبل المجزرة، فإن الوضع الاستراتيجي العام للبلاد يُعد حالياً من أسوأ الأوضاع في تاريخها منذ نهاية حرب الاستقلال عام 1949.