قراءة للأحداث الجارية اليوم السبت 11 يوليو 2026
شبكة الهدهد
أولاً: الأحداث والوقائع الميدانية والسياسية
شهدت الساعات الأخيرة الممتدة حتى السبت 11 يوليو 2026 جملة من التطورات المتسارعة على الجبهات الفلسطينية، والداخل الإسرائيلي، والساحتين الإقليمية والدولية، وتتوزع هذه الوقائع على عدة محاور رئيسية:
- المشهد الميداني والإنساني في قطاع غزة والضفة الغربية
- العمليات العسكرية في غزة: واصل جيش العدو قصفه المدفعي والجوي مستهدفاً مناطق متفرقة في القطاع، لا سيما حي التفاح وحي الشجاعية شرقي مدينة غزة، مع توغل للآليات وإطلاق نيران مكثفة من المسيرات "الكواد كابتر" والدبابات. كما نفذت قوات العدو أربع عمليات نسف متتالية للمباني شرقي مدينة خان يونس وفي بلدة بني سهيلا.
- استهداف المنشآت الطبية والإعلامية: أدانت وزارة الصحة في غزة استهداف مسيرة إسرائيلية لمستشفى كمال عدوان بقنبلة أدت إلى إصابة اثنين من العاملين. وفي سياق آخر، استهدفت طائرات العدو الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم، في مدينة غزة، ما أسفر عن إصابته بجروح بالغة واستشهاد مرافقه، وسط تقارير تتحدث عن استخدام العدو لأسلوب "الاستهداف المعنوي" عبر تعقّب الإعلاميين من خلال منصات تحريضية رقمية. وفي ملف الأسرى، زعمت "إسرائيل" أن مدير المستشفى المحتجز لديها منذ عام 2024، الدكتور حسام أبو صفية، يخضع للإشراف الطبي ولا خطر على حياته.
- ارتقاء عامل إغاثة دولي: كشف تقرير لصحيفة الغارديان عن ارتقاء السائق الفلسطيني أحمد ناصر سليم برصاص جيش العدو في رفح أثناء نقله مساعدات لصالح منظمة "المطبخ المركزي العالمي" (WCK) برغم التنسيق المسبق، وهو ما دفع اتحاد سائقي الشاحنات في غزة لدراسة تعليق العمل.
- تدهور الوضع الإنساني وحجم الدمار: أشارت تقارير منظمة "أوتشا" إلى أن هجمات المستوطنين وعمليات الهدم هجّرت أكثر من 3200 فلسطيني بالضفة منذ مطلع العام بمعدل ضعف الأعوام السابقة. وفي غزة، تُقدّر كمية الأنقاض بعد أكثر من عامين ونصف من القتال بـ 40 مليون طن، بتكلفة إزالة تبلغ 2.5 مليار دولار.
- التصعيد في الضفة الغربية والقدس: اقتحمت قوات العدو عدة مدن وبلدات فلسطينية (رام الله، نابلس، جنين، طوباس، أريحا، طولكرم، ومخيم قلنديا) وشنت حملة اعتقالات، تزامنًا مع اعتداءات مكثفة للمستوطنين على المواطنين وممتلكاتهم وتحطيم مركباتهم. وفي القدس، أمّ 70 ألف مصلٍ صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، تلاها اعتقال الشرطة الإسرائيلية للمفتي العام للقدس الشيخ محمد حسين بعد إلقائه خطبة الجمعة.
- التطورات في الداخل الإسرائيلي (أزمة الليكود والاستطلاعات وقوانين الحريديم)
- استطلاعات الرأي وأزمة الثقة: أظهر استطلاع حديث للقناة 12 العبرية نيل بنيامين نتنياهو تقييماً ضعيفاً لمصداقيته من 60% من الجمهور، في حين صُنّف غادي آيزنكوت (زعيم حزب "يشار") كالسياسي الأكثر جدارة بالثقة. ومن حيث المقاعد، تصدر حزب "يشار" بـ 22 مقعداً يليه الليكود بـ 21، بينما تفوقت أحزاب المعارضة "لا بيبي" مجتمعة بحصولها على نحو 68 مقعداً مقابل 51 مقعداً لمعسكر الائتلاف الحالي.
- حالة ذعر في حزب الليكود: كشفت تسريبات عن حالة "هستيريا وهلع" يعيشها "نتنياهو" بسبب استطلاعات الرأي، مما دفعه للتخطيط لـ "اغتيال سياسي مركز" داخل الحزب عبر السيطرة شخصياً على المراكز العشرة الأولى وحجز مقاعد لصالحه ولصالح حلفاء (مثل جدعون ساعر)، لإبعاد الوجوه الحالية وتغيير تركيبة القائمة التي يرى أنها تكلفه خسارة الانتخابات المرتبطة بحساباته السياسية.
- أزمة تشريعات الحريديم ونقص الجنود: يشهد الكنيست أسبوعه الأخير قبل حله وسط مساعٍ لتمرير "القانون الأساسي: دراسة التوراة" وتجميد اعتقال المتهربين من التجنيد لصالح المجتمع الحريدي، وسط معارضة 61% من الجمهور لدمج الأحزاب الحريدية في الحكومة المقبلة. وتتزامن هذه الأزمة التشريعية مع شكاوى صارخة وضغوط يقودها ضباط وقادة ميدانيون في الجيش الإسرائيلي يحذرون فيها من "نقص حاد وتضاؤل مرعب في أعداد الجنود والمقاتلين في الخطوط الأمامية" بسبب الاستنزاف، الإصابات، والصدمات النفسية الناتجة عن نحو ثلاث سنوات من القتال المتواصل.
- الذكاء الاصطناعي في الاستهداف: أعلن جيش العدو عن تخريج الدفعة الأولى من ضباط "خلايا استهداف" متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي (AI) لتنسيق الضربات الدقيقة على مسافات قريبة جداً من القوات البرية، فيما أبدى قادة الدورة عدم اكتراثهم بمذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية (ICC).
- الحراك السياسي والمفاوضات (ملف غزة والملف اللبناني)
- مفاوضات القاهرة بشأن غزة: عقدت لقاءات مكثفة في القاهرة بين وفود عسكرية وأمنية مصرية و"إسرائيلية"، تزامناً مع وجود وفد من حركة حماس برئاسة خليل الحية، لتثبيت اتفاق أكتوبر الماضي والانتقال للمرحلة الثانية. وتبرز تعقيدات أساسية بسبب مقترحات دولية (يطرحها ملادينوف) تتمسك بنزع سلاح القطاع كشرط للإعمار، وهو ما ترفضه حماس متمسكةً بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، في حين تُحذر أطراف مصرية من أن "نتنياهو" قد يهرب إلى الأمام بعمل عسكري مدفوعاً بحساباته الانتخابية.
- تجميد الجبهة اللبنانية: بطلب أمريكي مباشر، جمد المستوى السياسي في "إسرائيل" كافة العمليات العسكرية "الحساسة والاستثنائية" في جنوب لبنان حتى إشعار آخر، تجنباً لجر المنطقة إلى حرب شاملة تبعثر الأوراق، في وقت أعلن فيه النائب عن حزب الله إبراهيم الموسوي رفض الحزب المطلق لـ "اتفاق الإطار" والمفاوضات المباشرة معتبراً أن لبنان أصبح تحت الوصاية الأمريكية.
وفي غضون ذلك، يتوقع وصول فريق عسكري أمريكي إلى بيروت للمساعدة في تنفيذ الاتفاق، وصرح مندوب إسرائيل بالأمم المتحدة أن طرد حزب الله من الجنوب سيعيد التطبيع مع لبنان إلى جدول الأعمال.
4. المواجهة الأمريكية - الإيرانية وتفاعلاتها الإقليمية
- انتهاء وقف إطلاق النار البحري: أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بوضوح أن "وقف إطلاق النار مع إيران قد انتهى"، وذلك بعد نقض واشنطن للالتزامات وإعادة فرض قيود على بيع النفط الإيراني وفرض عقوبات جديدة. وهدد ترامب بضرب إيران بمستويات غير مسبوقة إن نجحت محاولاتها لاغتياله.
- التأرجح بين التصعيد والدبلوماسية وسوق النفط: برغم مغادرة سرب طائرات الشبح الأمريكية للكيان، حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن التصعيد بين واشنطن وطهران يهدد فائض سوق النفط. ميدانياً، اندلع حريق في مصفاة تكرير وبتروكيماويات غربي إيران. وسياسياً، تنشط الدبلوماسية الإقليمية حيث زار وسطاء قطريون طهران، ويتوجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سلطنة عمان لبحث التوترات في مضيق هرمز، حيث تطالب "إدارة ترامب" إيران بإصدار بيان علني يؤكد فتح المضيق والالتزام بوقف استهداف السفن التجارية كشرط للمضي في مفاوضات الملف النووي التي منحها ترامب هامشاً زمنياً محدوداً.
- الملف التركي - الإماراتي وتخفيف قيود F-35: برز تطور استراتيجي تمثل في تقارير حول موافقة تركيا على بيع منظومات الدفاع الجوي الروسية (S-400) إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطوة تهدف أساساً إلى إزالة القيود الأمريكية المفروضة على بيع مقاتلات الشبح (F-35) لتركيا.
ثانياً: تحليل تقدير الموقف (في نقاط مركزة)
بناءً على المعطيات الآنفة، يمكن صياغة تقدير الموقف الاستراتيجي ضمن النقاط الآتية:
- مأزق "الاستنزاف البشري والسياسي" داخل الكيان: تواجه "القيادة الإسرائيلية" معضلة مزدوجة؛ أزمة حادة في القوى البشرية العسكرية (استنزاف الكتائب المقاتلة بعد 3 سنوات حرب) توازيها أزمة شرعية سياسية داخلية لنتنياهو الذي تهاوت مصداقيته في استطلاعات الرأي. هذا التآكل يدفع نتنياهو نحو تصفية خصومه داخل الليكود والهروب نحو خيارات تصعيدية غير محسوبة للحفاظ على بقائه السياسي.
- عقيدة "الحسم وكسر الرواية": يشير التحول الفكري في اليمين الصهيوني الأمريكي (كما يعبر عنه كتاب دانيال بايبس الجديد والمدعوم من إدارة ترامب) إلى أن الاستراتيجية الحالية لم تعد تبحث عن تسويات سياسية "الأرض مقابل السلام"، بل تتبنى عقيدة "فرض الهزيمة النفسية والتاريخية" على الفلسطينيين وتصفية قضيتهم عبر سحق سرديتهم وإنهاء خيارات المقاومة كلياً.
- تعثر مسار مفاوضات غزة الاستراتيجية: تراوح مفاوضات القاهرة مكانها بسبب الفجوة الهائلة بين "السقف الإسرائيلي"-الدولي (المطالب بنزع سلاح حماس كشرط للإعمار بتوجيه من ملادينوف) والموقف الثابت للحركة المتمسك بالانسحاب الشامل ومخرجات المرحلة الأولى. الحسابات الانتخابية لنتنياهو تجعل احتمال تفجير المفاوضات والعودة للتصعيد العسكري في غزة خياراً ذو أرجحية عالية.
- المعادلة الإيرانية الأمريكية (حافة الهاوية المنضبطة): إعلان "ترامب" انتهاء وقف إطلاق النار يمثل ضغطاً بحرياً واقتصادياً قصوى على طهران. ومع ذلك، فإن الطرفين يفضلان حتى الآن المسار الدبلوماسي المشروط (عبر الوساطة العمانية والقطرية). تدرك إيران هوامش ترامب الزمنية الضيقة وتناور عبر لغة التهديد العسكري لبنيتة الطاقة الإسرائيلية واشتراط "الالتزام المتبادل" لخفض التصعيد في مضيق هرمز.
- كبح جماح الجبهة اللبنانية بطلب أمريكي: يعكس "التجميد الإسرائيلي" للعمليات الحساسة في جنوب لبنان بطلب من واشنطن رغبة أمريكية حازمة في عدم تشتيت الجهود أو الانجرار لمعركة إقليمية شاملة لا تخدم ترتيبات الإدارة الأمريكية الحالية المنشغلة بالمواجهة المباشرة مع طهران. هذا التجميد يمنح فرصة للمساعي الدبلوماسية برغم الرفض القاطع لحزب الله لاتفاق الإطار.
- إعادة تمحور التوازنات العسكرية (الصفقة التركية الإماراتية): يمثل التوجه التركي لبيع منظومة S-400 للإمارات مقايضة جيوسياسية ذكية؛ حيث تتخلص تركيا من الفيتو الأمريكي للحصول على مقاتلات F-35، بينما تعزز الإمارات قدراتها الدفاعية الجوية في بيئة إقليمية مضطربة، مما يعيد تشكيل خريطة التسلح الاستراتيجي في المنطقة.
ثالثاً: خلاصة تحليلية شاملة
تُظهر القراءة العميقة لأحداث ومؤشرات يوليو 2026 أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة "إعادة صياغة القواعد الإقليمية تحت وطأة الاستنزاف الطويل وضغوط الحسم السياسية". لم تعد المعارك الجارية مجرد جولات قتال تقليدية، بل تحولت إلى صراع وجودي على مستوى السرديات والخرائط السياسية المستقبلية.
على الصعيد الفلسطيني و"الداخلي الإسرائيلي": يعيش المشهد مفارقة بنيوية؛ فالآلة "العسكرية الإسرائيلية" برغم تبنيها للذكاء الاصطناعي واستمرار عمليات النسف والتدمير الممنهج، إلا أنها تعاني من "أنيميا حادة" في العنصر البشري وتآكل داخلي في ثقة الجمهور بجدوى الحرب وبمصداقية القيادة السياسية. هذا الواقع يضع المنطقة أمام سيناريو خطير: إما رضوخ إسرائيلي لصفقة تبادل تنهي الحرب وتطيح بالائتلاف الحاكم لعدم القدرة على مواصلة الاستنزاف، أو قيام نتنياهو بتفجير الموقف عسكرياً في غزة للهروب من استطلاعات الرأي القاتلة وحسابات الانتخابات الوشيكة.
على الصعيد الإقليمي والدولي: تدير "إدارة ترامب" بذكاء استراتيجية "حافة الهاوية" مع طهران؛ فمن جهة تُعلن انتهاء التهدئة وتفرض عقوبات نفطية مشددة، ومن جهة أخرى تفتح ممرات دبلوماسية ضيقة عبر مسقط والدوحة لفرض شروطها (حرية الملاحة في هرمز مقابل الملف النووي). وفي ذات الوقت، تمارس واشنطن دور الكابح لشهية "إسرائيل" التصعيدية في لبنان لمنع اندلاع حريق إقليمي شامل قد يخرج عن السيطرة ويتلف حسابات الطاقة والاقتصاد الدوليين.
ختاماً: إن المنطقة تقف عند نقطة تحول استراتيجية خطيرة؛ حيث تتداخل فيها الحسابات الانتخابية الضيقة للقادة (نتنياهو وترامب) مع التحولات الجيوسياسية الكبرى (الصفقات التسليحية التركية-الإماراتية ومفاوضات هرمز الإيرانية).
الأيام القليلة المقبلة -لا سيما مع حل الكنيست واجتماعات مسقط المرتقبة- ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الإقليم سينزلق نحو "انفجار عسكري شامل مدفوع بحسابات سياسية"، أم سيتجه نحو "صياغة تفاهمات كبرى قسرية" تفرضها حقائق الاستنزاف الميداني والاقتصادي على جميع الأطراف.