ترجمة الهدهد

بات موضوع قطاع غزة وتدميره الكارثي يستحوذ بشكل مهيمن على الخطاب الفكري العالمي، متصدراً رفوف الكتب غير الروائية في العواصم الكبرى مثل نيويورك ولندن وروما، ليهمّش قضايا تقليدية كبرى كتغير المناخ والذكاء الاصطناعي وأزمة الليبرالية.

وأصبح البحث في منصات مثل "أمازون" يفيض بعشرات المؤلفات التي تتناول حرب الإبادة في غزة، وهو ما أطلق عليه الصحفي "ماتي فريدمان" مصطلح "علم غزة"، مما يرسخ الحقيقة الإنسانية بأن القطاع أضحى مركزاً للفكر السياسي في عصرنا الراهن.

وكان كتاب "العالم بعد غزة" للمفكر "بانكاج ميشرا" الصادر مطلع عام 2025، من أبرز رواد هذه الموجة الفكرية، إذ اعتبر الكارثة الفلسطينية نقطة تحول وفصل في العلاقات بين الغرب الداعم لـ "إسرائيل" والعالم غير الغربي.

وتلا ذلك مؤلفات بارزة مثل كتاب "بيتر بينرت" "أن تكون يهودياً بعد تدمير غزة" الذي اعتبر فيه جرائم العدو أزمة وجودية وأخلاقية في التاريخ اليهودي، وصولاً إلى مقاربات فلسفية معمقة للفيلسوف الإيطالي "فرانكو بيفو بيراردي" في مقاله "التفكير في غزة"، والهندي "سوميابراتا تشودري" في كتابه "أفكار عن غزة بعيداً عن غزة"، والذين أجمعوا على أن حرب الإبادة تمثل صدمة تاريخية كبرى تُضاهي المحرقة النازية وحرب فيتنام، وتؤذن بفشل تجربة "الحضارة الإنسانية".

اختراق السينما الفكرية لـ العدو وإصدارات بالعبرية تواجه الكارثة

وفي تحول لافت، بدأ هذا التصاعد الفكري يخترق رفوف المكتبات داخل كيان العدو عبر داري النشر الحديثتين "بابل" و"ريسلينغ"، اللتين نشرتا كتابين يحاولان مواجهة الكارثة المروعة بدلاً من غض الطرف عنها.

ونشرت دار "بابل" كتاب "مؤرخ في غزة" للمؤرخ والدبلوماسي الفرنسي "جان بيير فيليو"، بينما نشرت دار "ريسلينغ" كتاب "من أجل غزة: مقال عن الواقع والواقع" للباحث الأدبي "إيدان تسولي".

ويحمل هذا الاختراق الفكري باللغة العبرية تحدياً استثنائياً؛ نظراً لأن "تل أبيب" لا تبعد سوى 70 كيلومتراً عن غزة، وأن الكيان التي نفذ هذا الدمار وجنودها يتحدثون العبرية، ويأتي هذا النشر في ظل حالة دفاع وتأهب قصوى لدى الرأي العام وجمهور المعارضة لدى العدو، الذي يرى في الاهتمام العالمي بغزة نفاقاً أو "معاداة لليهود"، فضلاً عن مواجهة هؤلاء الناشرين لحملات مقاطعة وعزلة دولية يشنها حتى المثقفون اليساريون ضد كل ما هو "إسرائيلي".

شهادة "فيليو" من "المنطقة الإنسانية" وقصص الفظائع الميدانية

وافق المؤرخ الفرنسي "جان بيير فيليو" على ترجمة ونشر كتابه في كيان العدو، انطلاقاً من رغبته في أن يقرأ "الإسرائيليون" عن الفظائع التي تُرتكب باسمهم، ورغم أنه لا يتبنى أيديولوجية معادية للصهيونية، إلا أنه أصر في كتابه على تسمية القطاع بـ "الجيب" بدلاً من المصطلحات الشائعة لدى العدو.

وتوثق شهادة "فيليو" تجربته بعد انضمامه لـ "منظمة أطباء بلا حدود" نهاية عام 2024 وقضائه شهرين في منطقة "المواصي" المصنفة "منطقة إنسانية".

ويستعرض الكتاب ذهول الكاتب من محو غزة التاريخية التي كانت لآلاف السنين واحة غنية، لينقل شهادات حية ومؤثرة؛ كقصة الصحفي رشدي السراج، أحد مؤسسي شركة "عين ميديا"، الذي استشهد إثر قصف منزله في أكتوبر 2023 بعد أن ألقى بنفسه لحماية زوجته وابنته، كما يروي قصصاً لأطباء نفسيين يعالجون أطفالاً عثروا على جثث أشقائهم، راصداً في الوقت ذاته تفكك المجتمع ومظاهر البقاء والحلول الارتجالية وسط شتاء الحرب الممتد والمدمر.

"أديب الخراب" وعجز اللغة أمام فوضى الأنقاض الداخلية

من جانبه، واجه الكاتب والباحث "إيدان تسولي" مهمة أكثر تعقيداً تمثلت في تأليف كتاب عن تدمير غزة باللغة العبرية -لغة القائمين بالدمار- معتبراً الكارثة انهياراً للجنس البشري بأكمله تحت الأنقاض.

واعتمد "تسولي" على جمع قصاصات الصحف التي تصف الأهوال وصياغتها في مقال مطول مرصع بالإشارات الفلسفية لـ "ليفيناس" و"أغامبين" و"بنيامين"، مبرراً لجوءه للمراجع الفلسفية بمحاولة التعبير عن "الدمار الداخلي" وعجز الواقعية الصحفية واللغة العادية عن التعبير أمام بشاعة الفظائع.

ويقارن "تسولي" بين نصوص أنقاض غزة و"أدب الخراب" الألماني بعد الحرب العالمية الثانية، مستنتجاً مفارقة مريرة وهي أن غزة كانت أطلالاً بحد ذاتها بفعل الحصار والحروب حتى قبل هذه الحرب، مما يجعلها "أطلال أطلال". ويبرز في الكتاب إدراك الكاتب للتهميش التام داخل المجتمع الأدبي العبري؛ حيث تظل هذه الفئة الرافضة للدمار معزولة وضئيلة للغاية.

مأساة الوعي المشوه وانفصام التسميات لدى العدو

تتكشف في ختام المشهد الثقافي مأساة حقيقية يعيشها الوعي الفكري للناطقين بالعبرية؛ ففي المقابل، نُشرت داخل كيان العدو مئات الكتب التي تصف ذات الحدث الدموي والدمار الحاصل في غزة، لكنها تُدرج تحت مسميات مغايرة تماماً مثل "أحداث 7 أكتوبر" أو "حرب السيوف الحديدية".

وينتمي هذا الإنتاج المحلى لنوع أدبي مختلف تماماً يستهدف جمهوراً يتبنى سردية العدو ويرى الحرب من منظور ذاتي، ويؤكد النقاد أن التغيير الحقيقي والوعي الإنساني لن يتشكل داخل "المجتمع الإسرائيلي" إلا عندما تسقط الحواجز النفسية، وتندمج الكتب التي تتناول أحداث المعركة مع تلك التي توثق الإبادة الجماعية وكارثة غزة في عمل فكري وإنساني واحد يكسر صمت العالم الروحي المحلي.

المصدر: "هآرتس"/ "أوفري إيلاني"