تتلاشى في قطاع غزة واحدة من أكثر "الرهانات الإسرائيلية" إثارة للجدل، حيث تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى انهيار الميليشيات المسلحة التي أنشأتها ورعتها "إسرائيل" في القطاع.

وتأتي هذه التطورات لتلحق هذه الكيانات بمشاريع سابقة أثبتت فشلها كـ "إدارة الهجرة الطوعية" ومخططات "العودة إلى غزة" الاستيطانية، والتي لم تكن سوى شعارات شعبوية تفتقر إلى الأسباب المادية للاستمرار.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور "ميخائيل ملشتاين"، الباحث الأول في مركز "دايان" بجامعة "تل أبيب"، في تحليل نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن مسألة مستقبل هذه الجماعات المسلحة باتت تتصدر المشهد في غزة، لا سيما بعد نجاح حركة المقاومة الإسلامية حماس في إدراج مطلب نزع سلاحها ضمن خطة النقاط الخمس عشرة المقدمة لـ "مجلس السلام" والوسطاء.

وعلى الرغم من تصريحات رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" المتكررة حول مواصلة العمل ضد حماس ورفض الانسحاب إلا بعد تجريد القطاع من السلاح، إلا أن الضغوط الأمريكية تدفع باتجاه الانتقال إلى المرحلة الثانية من الترتيبات، حيث أبدى المستشار "جاريد كوشنر" تفهماً لمواقف القيادي في حماس خليل الحية بشأن إزاحة هذه الميليشيات لإرساء النظام.

تتكون هذه الميليشيات من بضعة آلاف من العناصر يتمركزون داخل المناطق التي تسيطر عليها قوات جيش العدو، وينتمي أغلب قادتها وأعضائها لحركة فتح والأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية.

وتتوزع هذه المجموعات على خمس ميليشيات رئيسية:

·       "القوات الشعبية" في شرق رفح (التي يقودها حالياً "غسان دهيني" خلفاً لـ "ياسر أبو شباب" الذي قُتل في اغتيال داخلي).

·       و"قوة مكافحة الإرهاب" بقيادة "حسام الأسطال" في خان يونس.

·       و"الجيش الشعبي" بقيادة "أشرف المنسي" شمال القطاع.

·       و"قوات الدفاع الشعبي" بقيادة "رامي حلس" شرق مدينة غزة.

·       بالإضافة إلى "قوات الوطن الحر" بقيادة "شوقي أبو نقيرة" في المنطقة الوسطى.

ويلفت "ميخائيل ملشتاين" إلى أن الدوائر الرسمية في "إسرائيل" ركّزت منذ بداية الترويج لهذه المغامرة على إبراز نجاحات أمنية مدعاة، مثل المشاركة في مطاردة عناصر المقاومة أو إدارة مشروعات تعليمية لـ "مكافحة التطرف"، مقابل التعتيم على الجوانب المظلمة المتعلقة بتورط أفرادها في أعمال الجريمة، ونهب المساعدات الإنسانية عند معبر رفح، والارتباط بعناصر من تنظيم "داعش"، فضلاً عن تلقيها أسلحة وأموالاً وطائرات "مسيرة إسرائيلية".

وقد أدت هذه الممارسات إلى إحداث حالة من الرفض المجتمعي والشعبي لهذه الكيانات، وتبرؤ العشائر والقبائل بغزة منها وإعلان ولائها للمقاومة وحركة حماس.

ويرى مراقبون وباحثون، من بينهم الباحث الفلسطيني "رجب خضري" والمعلق "عز الدين أبو عائشة"، أن هذه الميليشيات تعيش حالة من العزلة الاجتماعية والدولية تجعلها على وشك الانهيار الفعلي.

فمع تقدم المفاوضات ومناقشة نشر القوات متعددة الجنسيات، ستفقد هذه الجماعات غطاءها الاقتصادي القائم على إدارة المعابر تحت "الرعاية الإسرائيلية"، كما يُتوقع أنه بمجرد انسحاب جيش العدو لما وراء "الخط الأصفر"، سيتعرض عناصرها للاعتقال أو المحاكمة، بينما سيفر قادتها مع القوات المنسحبة لمحاولة تشغيل خلايا من الخارج.

ميدانياً، تواصل المقاومة الفلسطينية عبر قوة رادع عمليات استخباراتية وكمائن لاغتيال قادة الميليشيات واختراق صفوفها، مستهدفة بشكل أساسي جماعة "أبو شباب".

وكان "نتنياهو" قد استخف بالتخوفات الأمنية عند الكشف عن هذه التشكيلات في يونيو 2025 بعبارته "ما المشكلة في ذلك؟"، مكرراً ذات الفكرة القديمة بإمكانية خلق بديل إداري ومحلي خالي من الطموح السياسي.

ويختتم "ميخائيل ملشتاين" قراءته بتحذير صناع القرار في كيان العدو من تكرار الأخطاء التاريخية المتمثلة في تجارب "روابط القرى" بالضفة الغربية في السبعينيات، داعياً إلى استخلاص العبر لتجنب "نموذج طالبان" حيث تنقلب الجماعات على موجّهيها، ومعالجة الملف لتجنب تكرار سيناريو "جيش لبنان الجنوبي" وقائده "أنطوان لحد" عقب الانسحاب من لبنان، تفادياً لترسيخ صورة "إسرائيل" كجهة تفشل في حماية عملائها.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "الدكتور ميخائيل ملشتاين"

باحث أول في مركز "دايان" بجامعة "تل أبيب".