شبكة الهدهد
قبل نحو 50 يومًا من انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، لا تشير الاستطلاعات الإسرائيلية إلى حسم واضح بين معسكري بنيامين نتنياهو وخصومه، لكن المعركة انتقلت بصورة متسارعة من سؤال "من يتقدم؟" إلى سؤال أكثر أهمية: من يستطيع منع هدر الأصوات وتجميع 61 مقعدًا بعد الانتخابات؟

تعادل القمة

لا يوجد استطلاع جديد خلال الساعات الـ24 الأخيرة يبرر الحديث عن تحول انتخابي، وتبقى الصورة العامة متقاربة للغاية؛ إذ يبلغ المتوسط البسيط لثمانية استطلاعات قابلة للمقارنة بعد اتحاد الصهيونية الدينية مع حزب "زيهوت" نحو 22.9 مقعدًا لليكود مقابل 22.5 لحزب "يشار" بقيادة غادي آيزنكوت.

غير أن متوسط كتلة نتنياهو الأساسية -الليكود وشاس ويهدوت هتوراه وعوتسما يهوديت والصهيونية الدينية/زيهوت- لا يتجاوز 51.4 مقعدًا، مقابل 53.3 للمعارضة الصهيونية الأساسية، في حين تحصد القوائم العربية نحو 12.1 مقعدًا.

ويكشف اتساع الفارق بين استطلاعات الرأي مدى صعوبة الاعتماد على متوسط واحد؛ إذ تتراوح كتلة نتنياهو بين 47 و63 مقعدًا، بينما تمنح القناة 14 وحدها تقريبًا الكتلة أغلبية مريحة. وفي سبعة من ثمانية استطلاعات متجانسة لا تصل نواة نتنياهو إلى 61، ما يجعل الحديث عن استعادته الأغلبية سابقًا لأوانه.

عقدة الـ61

حتى بإضافة حزب "عمخا يسرائيل" بقيادة عوفر فينتر، يبلغ المتوسط المتوقع لمعسكر نتنياهو نحو 54 مقعدًا فقط، فضلًا عن أن حزب فينتر نفسه يتأرجح حول نسبة الحسم؛ فقد حصل على 2.3% في استطلاع "والا" و2.4% في "زمان إسرائيل"، بينما منحته استطلاعات أخرى 4 أو 5 مقاعد.

أما المعارضة الصهيونية المكونة أساسًا من آيزنكوت، وتحالف نفتالي بنيت-يائير لبيد "بيحاد"، والديمقراطيين وإسرائيل بيتنا، فتقف حول 53 مقعدًا، ولا تستطيع تشكيل حكومة بمفردها.

ومن هنا تصبح الأحزاب الصغيرة والكتلة العربية مفتاح المعركة. فإضافة كتلة وسطية ثالثة قادرة على تجاوز نسبة الحسم قد ترفع المعارضة إلى حدود 57-59 مقعدًا، بينما قد يقود دعم "راعم" أو دخولها في معادلة الائتلاف إلى تجاوز حاجز 61.

وهذه الحسابات تفسر لماذا تحولت الأيام السابقة لإغلاق القوائم إلى معركة على بضعة مقاعد قد تكون أكثر أهمية من الفارق بين الحزبين الكبيرين.

سباق تروبر

يبرز الوزير السابق حيلي تروبر بوصفه إحدى أهم القطع الانتخابية المتحركة. وتضع التقارير الإسرائيلية أمامه خيارات الانضمام إلى آيزنكوت أو بنيت أو ليبرمان، مقابل احتمال ضعيف لاستمرار قائمة مستقلة تجمعه بيوعاز هندل.

وتشير استطلاعات عدة إلى أن استمرار هذه القائمة منفردة يحمل خطر هدر أصوات معسكر المعارضة، بعدما سجلت ما بين أقل من 1% و3% في عدد من الاستطلاعات.

لذلك فإن انتقال تروبر إلى آيزنكوت قد يعزز قدرة الأخير على تجميع الوسط، بينما انضمامه إلى بنيت يمكن أن يدعم صعود "بيحاد" ويعيد التوازن داخل معسكر تغيير نتنياهو.

وبالتوازي، لا يزال بني غانتس تحت نسبة الحسم في غالبية القياسات، مع تداول سيناريوهات لقائمة أوسع تضم شخصيات من الوسط واليمين المعتدل، بينها أييليت شاكيد.

قيادة المعارضة

ورغم تراجع "يشَار" قليلًا وصعود تحالف بنيت-لبيد خلال الأيام الأخيرة، فإن آيزنكوت يحتفظ بأفضلية واضحة في معركة رئاسة الحكومة داخل المعارضة.

فاستطلاع "معاريف" يمنحه  48% مقابل 39% لنتنياهو في سؤال الملاءمة لرئاسة الوزراء، بينما يحصل بنيت على 43% مقابل 39% لنتنياهو. وأظهر استطلاع آخر أن 57% من ناخبي يشَر يصرون على أن يكون آيزنكوت رئيسًا للحكومة.

لكن الخلاف الحقيقي يبدأ بعد ذلك: بنيت وليبرمان لا يمنحان آيزنكوت تفويضًا تلقائيًا، ويمكن للصراع على رئاسة الحكومة أن يحول أغلبية عددية مناهضة لنتنياهو إلى معسكرات غير قادرة على الاتفاق.

كما لا يقدم سيناريو اتحاد بنيت وآيزنكوت في قائمة واحدة حلًا سحريًا؛ فقد أعطى اختبار لـ"يسرائيل هيوم" القائمة المشتركة 36 مقعدًا مقابل 37 للقائمتين منفصلتين. وبالتالي قد تكون قيمة الاتحاد سياسية وتنظيمية أكثر من كونها إضافة انتخابية فعلية.

مفاجأة حريدية

التغيير السياسي الأبرز جاء من "ديغل هتوراه"، أحد مكونات يهدوت هتوراه، بعد إخراج موشيه غافني وأوري مكلف من التمثيل البرلماني، مع إبقاء غافني رئيسًا للحركة وترجيح تقدم يعقوب آشر إلى واجهة القائمة.

وتكتسب الخطوة أهمية بسبب إشارات غافني السابقة إلى عدم التزامه المطلق بنتنياهو وإبقائه باب التوصية بآيزنكوت مفتوحًا.

حسابيًا، يمكن للمعارضة الصهيونية مع يهدوت هتوراه بلوغ نحو  61 مقعدًا في المتوسط. لكن هذا السيناريو يبقى ضعيفًا سياسيًا بسبب الخلافات حول التجنيد والدين والدولة، كما أن خروج غافني من الكنيست يستوجب انتظار توجه القيادة الحريدية الجديدة بدل افتراض استمرار المرونة نفسها.

ولهذا يبقى سيناريو حكومة معارضة صهيونية-حريدية احتمالًا للمراقبة أكثر منه قاعدة لبناء التوقعات.

الصوت العربي

تحصل القوائم العربية حاليًا على متوسط يقارب 12 مقعدًا. وأظهر مسح لمركز موشيه ديان أن المشاركة العربية الأساسية قد تبلغ نحو 53%، لكن رفعها إلى 60-65% يمكن، حسابيًا، أن يضيف مقعدين أو ثلاثة.

هذه المقاعد لا تنتقل تلقائيًا من كتلة نتنياهو، لكنها قد تصبح حاسمة إذا تزامنت مع عبور قائمة وسطية إضافية لنسبة الحسم أو استعداد "راعم" لدعم حكومة برئاسة آيزنكوت.

وبذلك تصبح المشاركة العربية أحد مفاتيح "الـ61 المركبة"، لا لأنها تمنح المعارضة الصهيونية الأغلبية وحدها، بل لأنها تغير توزيع المقاعد وحجم الكتل القادرة على توفير شبكة أمان للحكومة المقبلة.

مخاطر الانتخابات

لا توجد حتى الآن قرينة على خطة فعلية لتأجيل انتخابات 27 أكتوبر. فتمديد ولاية الكنيست بسبب الحرب أو ظروف استثنائية يحتاج إلى أغلبية 80 عضوًا، بينما أقر الكنيست ترتيبات تسمح بإجراء الانتخابات حتى خلال أوضاع طوارئ في الجبهة الداخلية.

وتبدو المخاطر الأكثر واقعية مرتبطة بالتأثير الأجنبي والتضليل الرقمي وترهيب الناخبين والنزاع بشأن استخدام تطبيقات حزبية لجمع معلومات عن المشاركين في التصويت.

كما تظل احتمالات التصعيد في غزة والضفة أو اندلاع مواجهة إقليمية مع إيران أو حزب الله عاملًا قادرًا على قلب الأجندة الانتخابية، لكن لا يوجد حتى الآن استطلاع يسمح بتحديد المستفيد سياسيًا من حرب جديدة، سواء بادرت إليها إسرائيل أو فُرضت عليها.

معركة القوائم

تدخل الانتخابات إذن مرحلة مختلفة. اتحاد سموتريتش وموشيه فيغلين أثبت أن الاندماج قادر على منع هدر الأصوات دون أن يضمن زيادة كبيرة في حجم المعسكر، وهو الدرس الذي يحكم سباق القوائم الصغيرة قبل إغلاقها.

المشكلة الرئيسية لنتنياهو هي سقف ائتلافي يظل بعيدًا عن 61، بينما تعاني المعارضة مشكلة معاكسة: لديها عدد أكبر من المسارات الحسابية للوصول إلى الأغلبية، لكنها أقل تجانسًا سياسيًا.

ولهذا ستكون قرارات تروبر وفينتر وغانتس، وتوجه القيادة الجديدة في يهدوت هتوراه، وأول استطلاعات ما بعد إغلاق القوائم أهم بكثير من تقدم حزب على آخر بمقعد أو مقعدين.

فالانتخابات الإسرائيلية لم تُحسم بعد في صناديق الاستطلاع؛ والمعركة الحقيقية أصبحت حول من يمنع هدر أصواته، ومن يستطيع بعد 27 أكتوبر تحويل المقاعد المتفرقة إلى 61 نائبًا مستعدين لتنصيب رئيس حكومة واحد.