ترجمة الهدهد

يواجه المعترك السياسي صراعاً محدوماً بين معسكرين متناقضين في طريقة إدارة السلطة؛ فبينما يسعى "بنيامين نتنياهو" إلى تقليص عدد مراكز القوة وتركيزها حوله، تعاني "كتلة التغيير" المعارضة من معضلة تعدد القادة وغياب التسلسل الهرمي السياسي المتفق عليه.

ويتطلب الاستحقاق الانتخابي من قادة معسكر المعارضة - وهُم "غادي آيزنكوت"، و"نفتالي بينيت"، و"يائير لابيد"، و"أفيغدور ليبرمان"، و"يائير غولان" - إثبات إمكانية تعايش مراكز قوة متعددة، إذ يأتي كل زعيم حزب منهم بوعودٍ لناخبيه، وخطوطٍ حمراء، وتاريخٍ مع شركائه، وتصورٍ راسخٍ لمكانته، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرتهم على التوحد على طاولة واحدة في اليوم التالي للانتخابات رغم ميزة التعددية الانتخابية التي تجلب الأصوات من خمسة اتجاهات.

وعلى الرغم من أن معسكر معارضي "نتنياهو" تعلم سابقاً أن القاسم المشترك السلبي المتمثل في شعار "ليس نتنياهو فقط" يمكن أن يكون كافياً لتشكيل حكومة، إلا أنه ليس بالضرورة كافياً للحفاظ عليها متماسكة؛ فقد أثبتت تجربة حكومة "بينيت"-"لابيد" السابقة أنه من الممكن توحيد أحزاب متباعدة للغاية، لكنها أثبتت في الوقت ذاته مدى هشاشة الائتلاف الذي يمتلك فيه كل شريك تقريباً القدرة على إسقاط الهيكل بأكمله.

في المقابل، يواجه "نتنياهو" انقساماً انتخابياً في معسكرٍ باتت فيه مسألة القيادة واضحةً تماماً، حيث تتنافس عدة أحزاب على الناخبين أنفسهم، لكن لا يكاد يوجد منافسٌ جديٌّ له على منصب رئيس الوزراء من بين أحزاب اليمين.

وعلى النقيض من ذلك، يمتلك "تكتل التغيير" القدرة على الوصول إلى جماهير مختلفة ولكن سيتعين عليه تحويل هذا الاتساع الانتخابي غداً إلى قدرةٍ على الحكم، وهي نقطة يمتلك فيها "نتنياهو" ميزةً كبيرةً لأن الجمهور يعرف بالفعل شكل حكومته ولا حاجة لتخيّلها؛ سواء أحبها، أو كرهها، أو خشيها، أو تمنى وجودها.

وفي هذا السياق، يقترح تحالف التغيير خطةً لم تتبلور بعد، حيث لم يتم الاتفاق بشكل كامل على رئيس الوزراء المستقبلي، ولا يزال توزيع الأدوار غير واضح، إلى جانب طفو الخلافات حول تعيين "الحريديم" وتشكيل حكومة أقلية على السطح، فضلاً عن العلاقات التي لا تخلو من التحديات بين الأطراف المعنية، ما يجعل مؤيدي هذا التحالف مطالبين بالثقة ليس فقط بنجاح الأرقام بل بكفاءات الأشخاص الذين يقفون وراءها.

وتتضح الفجوات وفقدان عنصر الثقة داخل "كتلة التغيير" مقارنة مع معسكر "نتنياهو" الذي يحتاج إلى الانضباط؛ حيث أوضح "آيزنكوت" أنه حتى لو لم تحصل كتلة معارضي "نتنياهو" على 61 مقعداً صهيونياً، فإن القصد ليس الإبقاء على الحكومة الحالية في السلطة لمجرد ذلك، مشيراً إلى إمكانية تشكيل حكومة دون طلب أي شيء من الفصائل العربية وترك القرار لها بشأن دعمها أو الامتناع عن التصويت أو الغياب.

وهو الطرح الذي سارع "ليبرمان" إلى وضع خط أحمر ضده معلناً أنه لن يكون شريكاً في حكومة أقلية كهذه، بينما تجنب "بينيت" المواجهة المباشرة، وإن فُسِّر موقفه من خلال خطوة "آيزنكوت" على أنه محاولة للتحدث مباشرة إلى ناخبي الأحزاب المجاورة وتقديم نفسه كشخص قادر على تشكيل حكومة في أي ظرف.

وتأسيساً على ذلك، تقع على عاتق كل قائد في المعارضة التزامات محددة؛ إذ يحتاج "آيزنكوت" إلى إثبات قدرة الكتلة على تغيير الحكومة دون أن تتفكك فوراً في صراعها على القيادة، ويحتاج "بينيت" إلى إظهار أن خبرته تخدم الشراكة لا أن تقتصر على تعزيز مكانته القيادية، في حين لن تُقاس قوة "ليبرمان" بعدد المقاعد أو الولايات التي حصل عليها فحسب، بل بعدد مسارات الائتلاف التي يستطيع فتحها أو عرقلتها ودرجة إثباته أن خطوطه الحمراء لا تُغلق الطريق أمام تشكيل الحكومة استباقياً.

وأخيراً، سيتعين على "لابيد" إثبات قدرته على أن يكون شريكاً رئيسياً حتى وإن لم يكن هو الرجل الأول، حيث سيُطلب من كل منهم في مرحلة ما التنازل عن جزء من سلطته على الكتلة، وهو أمرٌ نادرًا ما طُلب من "نتنياهو" فعله داخل كتلته.

المصدر: صحيفة "معاريف"