"تل أبيب" انتهت
ترجمة الهدهد هآرتس/ أوفري إيلاني
طلب مني طاقم تلفزيون إيطالي مؤخراً أن أشرح كيف أصبحت "تل أبيب" واحدة من أكثر المدن جاذبية في البحر الأبيض المتوسط، كنا في حديقة السكك الحديدية في جنوب المدينة، وهي منطقة خالية من البشر لم يكن أحد على علم بوجودها إلى أن حوّلها فعل سحري معماري إلى مكان حضري جذاب، حاولت أن أعرف السبب، حيث كان هناك صحفيين من روما المدينة الخالدة، أكثر مناطق العالم كثافة من حيث المنشآت المعمارية الجميلة، ومع ذلك نظروا حولهم بدهشة كما لو أنهم لم يروا مثل هذه الجوهرة من قبل.
قلت في نفسي أنّ هذا يُظهر قوة "تل أبيب" المرسومة، ولا يوجد شيء جميل أو مميز حقاً، عندما كنت أقوم بأخذ الضيوف الأجانب لرؤية جميع أنحاء المدينة، أكتشف أنه لا يوجد نصب تذكاري واحد يمكن أن يفخر به، حتى إذا كان هناك لن أستطيع العثور عليه بسهولة، تم إخفاء النصب التذكاري لإسحاق رابين بجانب موقف للسيارات، وربما تكون النافورة في ساحة ديزنغوف ساحرة ولكن بطريقة فكاهية، فإن أبراج مركز عزرائيلي هي أشياء هندسية عالقة في قلب منطقة صاخبة وملوثة، باختصار لا أحد يأتي إلى "تل أبيب" ليرى الأشياء، لكن ربما العكس.
لا يوجد شيء تراه في "تل أبيب"، لا شيء يولِّد شعوراً بالخفة والحرية، هذا التأثير ليس من اختراع "تل أبيب"، إنه موجود في مدن أخرى وإن كان بشكل مختلف، على سبيل المثال برلين تعتبر مدينة أكثر أهمية من "تل أبيب".
ما الذي حوّل برلين إلى مركز جذب نابض بالحياة في مطلع القرن الحادي والعشرين؟
أكثر من أي شيء آخر، كانت الأماكن المفتوحة، ولم تكن برلين أبداً مدينة جميلة مثل باريس، أو مدينة عالمية مثل لندن، ففي بداية القرن العشرين شَهدت ازدهاراً حَضَرياً ولديها عدد قليل من المتاحف وثلاث دور أوبرا.
لكن في الأساس تظل مدينة جديدة نسبياً بدون تقاليد تاريخية عميقة، وتعتبر إلى حد ما عاصمة اصطناعية بناها أمراء براندنبورغ على أطراف الشمال، وقال المؤرخ تايلور انه خلال القرن الماضي، تراكمت في المدينة الكثير من الماضي، لكن الماضي بحكم التعريف قد ولى.
برلين هي حفرة حتى لو كان ذلك بالمعنى الإيجابي، لأنه مع التوقيت المناسب أصبح افتقارها للتقاليد التاريخية القديمة ميزة، ففي بداية التسعينيات بعد تفكك ألمانيا الشرقية، احتوى الجزء الشرقي من المدينة على آلاف المباني المدمرة والشقق الفارغة، المباني التي كانت تضم الشركات المملوكة للدولة التي انتهت صلاحيتها، وقفت مجموعات كاملة من المباني مهجورة، كانت المدينة مليئة بالمساحات غير المستخدمة وتسمى "Freiraum" بالألمانية.
امتلأت تلك المساحات بالمحتلين والغزاة المناهضين للمؤسسة، وتحولت المخابئ المهملة إلى صالات عرض وتم تحويل محطات الطاقة الهالكة إلى نوادي ليلية، ولكن الأهم من ذلك أن المساحة الفارغة هي التي سمحت لتكاليف الإسكان أن تظل متوسطة أكثر من أي مدينة أوروبية أخرى، توافد الفنانون والشباب المتعطشون للفن الذين وجدوا أنفسهم محرومين من أماكن أخرى في أوروبا المتخلفة إلى برلين وابتكروا مشهداً حضرياً نابضاً بالحياة.
في المقابل تمتعت"تل أبيب" بنوع مختلف من لا شيء، في بلد مليء بجوانب دينية وتاريخية، تجسد في وجوده المطلق غياب الجاذبية والقداسة، ولّدت المباني البيضاء البسيطة التي كانت مخصصة للاستخدام كمنازل وظيفية للعمال شعوراً بالتهوية، ففي العقود الأخيرة من القرن العشرين عندما أصبحت "إسرائيل" أكثر تديناً ويهودية، تجاوزت "تل أبيب" ذلك بفضل ما لديها، حيث اجتذب الفراغ كل من كان يريد أن يزيح ذلك العبء الثقيل للتقاليد والمشاعر الوطنية، ومن وجهة النظر هذه فإن مصطلح "عربة فارغة" هو تعبير يطلق ضد العلمانيين ليحتقرهم، ليس بالضرورة أن يكون سلبياً؛ فالفراغ ضروري للسماح بالحركة.
وهكذا يصبح الفراغ جذاباً، وأصبحت "تل أبيب" مخيماً للمتعة البرجوازية العلمانية المهددة، التي تجمعت من جميع أنحاء البلاد على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، إنهم لا يبحثون عما تمتلكه المدينة بل عنما لا تملكه، أو عنما لديها بأعداد صغيرة جداً: كالحريديم والأرثوذكس والفقراء.
التعظيم
المدن التي بنيت على لا شيء تلعب لعبة خطيرة، حدث ذلك في برلين والتي تحولت خلال أكثر من عقد من مكان غير مكلف ومريح إلى ثروة عقارية، تم استبدال الأشخاص السيئين بأشخاص يحبون موسيقى الجاز، الذين تم طردهم أيضاً بعد انتشار أنواع التكنولوجيا المتقدمة، واستحوذت بيوت الاستثمار المخيفة على مجمعات سكنية بأكملها، تضاعفت الأسعار في أحياء العمال مثل نويكولن وكروزبرغ في بضع سنوات فقط، الكل يريد أن يعيش في وسط مليء بالشباب والحيوية.
ذات يوم فتح سكان برلين الجدد أعينهم، ونظروا حولهم وسألوا أنفسهم ما الذي تمتلكه المدينة بالفعل، والجواب مرة أخرى كان لا شيء، لكن هذه المرة لم يكن الثمن باهظاً، أسعار الشقق في الأحياء المهملة باهظة بفضل "المشهد الشاب النابض بالحياة" الذي وعد به المشترين، لكن هذا المشهد أصبح أقل شباباً وحيوية، هذا صحيح في كل من برلين و"تل أبيب"، اللتين تراجعتا في السنوات الأخيرة بسبب جاذبيتهما، لقد أصبحت باهظة الثمن بسبب عدم وجود الإحساس بالحيوية والشباب.
النقطة المهمة هي أن استراتيجية اللاشيء مناسبة لمدينة حيوية وديناميكية، لكنها ليست مدينة متخمة بالمال، يمكن لبلدية "تل أبيب" حفر الأنفاق التي ستتيح لملايين الأشخاص التنقل يومياً، لكن كل ذلك سيؤكد فقط على ما هو غير موجود هنا، في روما وبعد كل شيء يوجد البانثيون وكنيسة سيستين، وباريس لديها بلاس دي لا كونكورد وحدائق لوكسمبورغ، و"تل أبيب" بها ساحة جيفون، من مدينة العمال التي تم بناؤها، كما تقول الأغنية "من رغوة الموجة والسحابة"، كل ما تبقى هو في الغالب الرغوة، وهي باهظة الثمن.