✍?محمود مرداوي

في الذكرى الثالثة لمعركة حد السيف التي توجت قمة الصراع بعد اعتراض وحدة سييرت متكال وقتل وجرح من فيها، ثم انتقلت من تحت الرماد فوق السطح ضارية من خلال رد المقاومة وإدارة المعركة بحكمة واقتدار.

في يوم الذكرى الثالثة يتأكد أن حرب الأدمغة كانت مواكبة للمواجهة مع هذا العدو قبل حد السيف وبعد سيف القدس، تخبو فوق السطح لكن صخبها وشراسة نتائجها تحت السطح وخلف الكواليس صعبة ولا تتوقف.

إذ أن العدو لا يستطيع العمل بدون معلومات، وأهمية الوحدة تنبع من حجم خطورة المقاومة التي يواجهها، ينفق كل ما لديه دون قيود للحصول على المعلومات بطرق شتى تكنولوجية وبشرية بعيداً عن تعريض أشخاص صهاينة للخطر، لكن عندما يصل الخطر مبلغه ويتعذر عليه الحصول على المعلومات إلا من خلال وحدات مختارة مختصة لا يتردد يفعل، يجازف باحتمالية وقوع خطر متوقع لإزالة خطر محقق.

الوحدة التي تعمل خلف الخطوط ومن أجل هذه المهمات تُسمى (سييرت متكال) تابعة لهيئة الأركان مباشرة، تشرف عليها شعبة الاستخبارات العسكرية.

هذه الوحدة وُجدت حتى لا تُعرف، تسمع ولا تُسمع، ترى ولا تُشاهد.

كل عملها وخططها تحت ستار الظلام اسمها جوالة الليل، قيمتها بقدرتها على تنفيذ أخطر وأصعب وأدق المهمات، لديها تراكم خبرة عقود وميزانيات مفتوحة بلا قيود، الصناعات العسكرية والأمنية تُكيف أدواتها لكل مهمة بما تحتاجه من أسلحة وذخائر وأدوات تعمل بصبر وبطول نفس، لا تخرج إلا وقد أحكمت خططها وهيأت كل شروط النجاح، عندما تعمل الوحدة بشكل مباشر ومن خلال ضباطها وجنودها تتعقد المهمة ويحتاج الإعداد لمضاعفة زمن التحضير، على مستوى الأشخاص من خلال القدرة على التعايش في الوسط الذي سيعملون فيه، حيث اللغة وإتقانها والثقافة ومعرفتها، والإحاطة بالمكان بشخوصه ورموزه.

كل هذا التراكم والإعداد والإنفاق لم يوقف إعجازية أمام إضاءات الانتماء ووهج اليقظة والانتباه والالتصاق بالهدف والإصرار على تحقيق المهمة لدى رجال المقاومة الميامين قبل ثلاث أعوام.

لم تستهن الوحدة في ذلك اليوم بقدرات المقاومة إنما رفعت من كفاءتها وافترضت أنها أجابت على كل التساؤلات المحتملة على يقين تحقيق النجاح لضرورة المهمة وخطورتها، لكن كل هذه الحسابات الدقيقة والجريئة لم تُسقط فرضية أن تقع الوحدة في أيدي حماة الثغور لدى المقاومة.

في النظرة الأولى للشهيد نور بركة انتهت تحضيرات الوحدة بكل تفاصيلها، وتحيدت التجربة بتراكم خبراتها، وفشلت المهمة.

وقع صراع بين عقلين، عقل تقيده الأعراف الدينية والصلاحيات التنفيذية، يبالغ في التحقق حتى لا يخطئ ويسيء، وعقل آخر أدرك أن العملية قد فشلت على مستوى سييرت متكال، وانتقل إلى الخطة البديلة للانسحاب وعملية الإنقاذ على مستوى دولة الاحتلال بما تملك من مقدرات.

في صراع الأدمغة الشهيد نور كان يتحسب في كل لحظة من أن يسيء لعائلة ويجد نفسه في المكان الذي لا يتمنى أن يُسجل ويُحسب عليه، في قلبه وحدسه يرى أشخاصاً ليسوا عاديين، وفي عقله قيود الصلاحيات والاعتبارات، هم مطلعون على خطة الشهيد نور من خلال تعامله معهم، ونور محجوب عنه خططهم البديلة، وفي اللحظات التاريخية الفارقة الثانية تعني الحياة وقصةً وتاريخاً بكل تفاصيلها المؤلمة.

كانت القوة تريد أن ترى بأعين القسام وتسمع بأذنيه من خلال أجهزة التنصت التي حاولت أن تزرعها، وما يسلط الضوء على قيمة هذه المهمة وحيويتها النتائج النهائية لحالة الصدام الذهني بين فريق يعمل بين أبناء شعبه ويعمل لحمايته ويسعى لتحقيق أمانيه، يحرص على عدم خدش مروءته وثقافته،لكن يغيب عنه نوايا من يقفوا أمامه!

وبين فريق يعمل لصالح احتلاله في وسط معاد له لا يتورع عن قتله وإيذائه، يعرف ما يريد تحقيقه في الأولى التي فشلت من خلال وضع أجهزة تنصت والثانية من خلال الانسحاب.

وهنا وقع الفرق ما بين حسبتين، حسبة واضحة محددة مرسمة مهيأ لها كل الإمكانات العسكرية الجوية والبرية وبإسناد البحرية، وما بين حسبة ما أن حيدت كل القيود والمحاذير كانت تتعامل مع مشهد محدد تدير معركة مفصولة منقطعة، بينما كان اجتماع في تل أبيب لكل قادة الجيش والشاباك والموساد يديرون المعركة في مواجهة نور ورفاقه، يملكون ما يملكون الأرض بتفاصيلها على شاشة، وعلى مدار أربعين دقيقة تُرسم الخطط وتُنقل القوات على الأرض وفي الجو وفي البحر.

إن قرار إدخال سييرت متكال إلى قطاع غزة كان إيذاناً من العدو بأن الخطر الذي يتكون في القطاع حينئذ خطر لا يُحتمل، تهون معه التضحيات الجسام، وإن حسابات العدو مهما بلغت لا تستطيع قراءة ومعرفة قدرات ومؤهلات وإمكانات المقاومة والق س ام، وما شاهدناه في سيف القدس ووقف عليه المراقبون واعترف به جيش الاحتلال من فقدانه السيطرة على امتداد الحدود وعجزه عن أداء مهمات برية كان قد تباهى في اطلاعه ونفاذه على ما تملك المقاومة، الأمر الذي يؤهله لتنفيذ عمليات هجومية كبيرة ومؤثرة لم يتمكن من تنفيذها.

لقد مثلت عملية حد السيف من كشف هذه القوة وحرق كل عناصرها وقتل مسؤولها وجرح نائبها ومن ثم استكمال الهزيمة وكي الوعي عندما أدى رد المقاومة لاستقالة ليبرمان وتحوُل نتنياهو من شخص مجمع عليه في كل الاستطلاعات أنه حامي الحمى إلى شخص يوازي في وزنه أي قائد صهيوني آخر حتى وصل النظام السياسي العاجز لتنصيب بديل عنه رئيس وزراء ضعيف بستة مقاعد لا يجتمعوا على شيء، وكذلك في ائتلاف مكون من سبعة أحزاب، لا يجمعها إلا الدفاع عن مكتسباتها ومنع عودة المهزوم نتنياهو لسدة الحكم.

لقد سقطت صورة وحدة سييرت متكال، وتزعزعت الثقة لدى ضباطها وجنودها، واستقال رئيسها،وتكشفت كل طرق عملهم وتراكم خبراتهم، وتمكن القسام من زرع وعي إيجابي في عقل كل عربي وفلسطيني أن العدو يُقهر ولن يمثل يوماً سوبر مان في الحقيقة.

فقيم النصر تولد قيماً لنصر جديد، وتقتل قيم الهزيمة التي رافقت وهماً الشعوب في المنطقة.

زمن الحروب بدون معارك ولى، وزمن المعارك بدون قتال ولى، والقتال بدون قتلى ولى، وسيف القدس خير دليل وشاهد، والهزيمة مصير حتمي للمحتلين.