شبكة الهدهد

أولاً: تحليل للمشهد الميداني والسياسي والأمني

  1. المشهد الميداني والإنساني في غزة والضفة الغربية:
  • الأثر البشري والتراكمي للحرب: وثقت الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة بغزة ارتفاعاً تراكمياً في أعداد الضحايا منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر 2023؛ حيث بلغ عدد الشهداء 73,074 شهيداً، والإصابات 173,537 إصابة. كما رصد التقرير استمرار سقوط الضحايا بمعدل (4 شهداء و12 مصاباً خلال 24 ساعة الماضية) وغارات مستمرة على مخيمات النصيرات والمواصي ونسف للمباني في رفح وجباليا.
  • أزمة الوجود الدولي الإنساني (الأونروا): يبرز توجه يتبناه ما يُدعى بـ "مجلس السلام" يسعى لاستبعاد "الأونروا" من غزة المستقبلية، وهو ما وُصف من قِبل المرصد الأورومتوسطي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي كمحاولة غير قانونية لتصفية قضية وحقوق اللاجئين. وترافق هذا التحرك السياسي مع استهداف ميداني ممنهج أسفر عن مقتل 391 موظفاً أممياً وتدمير 312 منشأة تابعة للوكالة.
  • عودة الحراك الاستيطاني داخل غزة: كشفت الصحافة العبرية عن تجهيزات لنواة استيطانية من بلدة "سديروت" تهدف لإقامة أول بؤرة استيطانية تحت مسمى "ناحال" في شمال قطاع غزة، عقب زيارة تفقدية لأنقاض مستوطنة "نيسانيت" التي أُخليت سابقاً، مما يؤشر على توجه رسمي/يميني لإعادة احتلال واستيطان القطاع.
  • الضفة الغربية كجبهة مشتعلة: تشهد الضفة اقتحامات مستمرة من قِبل قوات العدو (نابلس، جنين، الخليل، القدس) وهجمات منظمة للمستوطنين على القرى الفلسطينية والمركبات الإنسانية، مما يثبت انتقال التوتر الهيكلي إلى الضفة والقدس بصورة يومية موازية لغزة.
  1. مشهد المفاوضات الإقليمية وبنود "التسوية المطروحة":
  • كواليس التفاوض في القاهرة: سلمت حركة حماس ردها للوسطاء في القاهرة متمسكةً بمعظم مواقفها الأساسية، مع تركيز الخلاف حول ملفين رئيسيين: رواتب موظفي غزة ومستقبل سلاح الحركة.
  • طروحات التعديل والمناورة: تبرز مصادر تفصيلية في الملف، تشمل:
    1. ملف الموظفين: معالجة مستحقات موظفي الخدمة المدنية والشرطة بغزة مع حذف بند "استيعابهم" المباشر، والاكتفاء بتطبيق شروط اللجنة الوطنية.
    2. ملف السلاح (المقترح المصري والوطني): تحاول القاهرة طرح تسوية تقضي بتسليم سلاح حماس لمصر كـ "وديعة" بدلاً من تفكيكه الكلي، تماشياً مع المرحلة الثانية من "خطة ترامب".
      بينما ينص مقترح بروتوكول اللجنة الوطنية على حصر وتخزين السلاح بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي بضمانات دولية، وربط السلاح بحل سياسي شامل يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية. حتى الآن، ترى الأوساط الاستخباراتية للعدو أن حماس تناور وتكسب الوقت ولا تبدي المرونة الكافية تجاه هذه البنود.
    3. المشهد "الداخلي الإسرائيلي" (أزمة الميزانية وصراع السلطات):
  • العجز المالي العسكري الحاد: تعيش المؤسسة العسكرية استياءً داخلياً غير مسبوق وتراشقاً للاتهامات مع وزارة المالية؛ بسبب وجود فجوة تمويلية تبلغ 40 مليار شيكل (وعجز مقدّر بـ 13.5 مليار دولار) في ميزانية الجيش. وحذر القادة العسكريون من أن هذا العجز بدأ يؤثر بصورة مباشرة على الجاهزية التشغيلية والعمليات العسكرية المستمرة.
  • الصدام القضائي والسياسي (المحكمة العليا والكنيست): اتخذ الصراع الدستوري الداخلي منحنى خطيراً عقب قرار المحكمة العليا بإلغاء انتخابات منصب "مراقب عام الدولة" نظراً لانتهاك سريتها من قِبل الائتلاف الحاكم وأمرها بإعادتها. قوبل هذا الحكم بتمرد سياسي صريح؛ حيث دعا وزراء وأعضاء كنيست (مثل سموتريتش، كارعي، وغوتليب) إلى تجاهل القرار وعدم الانصياع له، واصفين المحكمة بأنها "ديكتاتورية قانونية يحتجز قادتها الديمقراطية رهينة"، مما يهدد بأزمة دستورية طاحنة تضرب أركان الدولة وتدفع نحو تفكك جبهتها الداخلية.

4. الجبهات الخارجية والتهديد الإقليمي (لبنان وسوريا وتركيا):

  • الجبهة اللبنانية (الاشتباكات المباشرة): استمر التصعيد العسكري على الجبهة الشمالية مع حزب الله؛ حيث رُصدت اشتباكات مسلحة مباشرة بمحيط تلة "علي الطاهر" في النبطية، أسفرت عن وقوع "حدث أمني" وإصابات حرجة في صفوف جنود جيش العدو، واجهها الأخير بقصف عنيف وحرق للمنازل وتفجيرات في القرى الجنوبية مثل "كونين" و"بيت ياحون".
  • الجبهة السورية والتقارب اللبناني: تعرضت أراضٍ زراعية بريف القنيطرة ودرعا لقصف مدفعي إسرائيلي. وفي بعد سياسي استراتيجي، زار وزير الخارجية السوري بيروت مؤكداً فتح صفحة جديدة من العلاقات والتعاون الأمني والاقتصادي المشترك، بينما أعلن الرئيس اللبناني تمسكه بالدعم الأمريكي والحل التفاوضي للخروج من زمن الحروب.
  • التحدي والتوتر الاستراتيجي مع تركيا: تضاعفت حدة التوتر اللفظي والسياسي بين تل أبيب وأنقرة، إثر اتهامات أردوغان المستمرة لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية وتهديد وزرائه المباشر لسيادة إسرائيل. وساهم اعتراف الحكومة الإسرائيلية الأخير بـ "الإبادة الجماعية للأرمن" في إشعال أزمة سياسية إضافية، امتدت لتؤثر على علاقة "إسرائيل" بحلفاء استراتيجيين مثل أذربيجان التي استنكرت الخطوة وطالبت بمراجعتها. وتراقب إسرائيل بقلق النفوذ التركي المتصاعد في سوريا والتعاون القائم ضد الأكراد هناك منذ أواخر 2024.

ثانياً: تقدير الموقف (في نقاط تحليلية ومكثفة)

  1. استنزاف استراتيجي ممتد وغياب الحسم: دخول الحرب فترات زمنية طويلة جداً (ما يزيد عن ألف يوم وفقاً لتصريحات ليبرمان) دون القدرة على إغلاق ملف الجبهات أو تحقيق حسم عسكري قاطع، يحوّل الحرب إلى معركة استنزاف هيكلي تصب في صالح قوى المقاومة.
  2. شروخ في تماسك المنظومة العسكرية: أزمة الميزانية الحادة وتمنّع وزارة المالية عن سد الفجوات المالية للجيش تكشف عن عمق الأزمة الاقتصادية التي تضرب إسرائيل، وتطرح علامات استفهام خطيرة حول استدامة العمليات العسكرية الكبرى في ظل انخفاض الجاهزية واللوجستيات.
  3. تآكل الحاضنة الأخلاقية والشرعية الدولية: تزايد التقارير الدولية (مثل تقرير نائب وزير خارجية النرويج، وبلاغات المرصد الأورومتوسطي) التي تدين "إسرائيل" بمنع المساعدات وخرق القانون الدولي، يعزز العزلة الدولية المفروضة عليها ويثبّت قانونياً تهم "الإبادة الجماعية" المساقة ضدها.
  4. تصدع دستوري داخلي مقلق: دعوات التمرد الحكومي الصريحة ضد أحكام المحكمة العليا تمثل مؤشراً خطيراً على "انهيار سيادة القانون" داخلياً، وتحول الصراع من صراع حزبي عادي إلى أزمة بنيوية دستورية قد تشل قدرة الدولة على اتخاذ القرارات المصيرية وتعمّق الشقاق الاجتماعي في الشارع الإسرائيلي.
  5. المعضلة التفاوضية والمناورة الأمنية: تبرز الفجوة الواسعة بين مطالب المقاومة (ربط ملف السلاح بانسحاب كامل وحل سياسي شامل يفضي لدولة) والمطالب الإسرائيلية (تفكيك وعزل السلاح لتهيئة غزة جديدة بدون حماس)، مما يجعل المقترح المصري الخاص بـ "وديعة السلاح" مناورة سياسية صعبة التطبيق في ظل تمسك حركة حماس بأوراق قوتها الميدانية الحية.
  6. خطر الاختراقات الأمنية: اعتقال عملاء يتبعون لإيران (مثل الطاجيكي بهروز سوبيرغون) ممن وثقوا مواقع حساسة وموانئ وأبراج استراتيجية، يوضح انكشاف الجبهة الداخلية للعدو أمنياً واستمرار فاعلية الجهد الاستخباراتي الخارجي لخصومها الإقليميين طوال فترة الحرب.
  7. إعادة تدوير الصراعات الإقليمية: التداخل المستمر في الجبهات (اشتباكات حزب الله الدامية شمالاً، القصف المدفعي في سوريا، التحفز التركي الاستراتيجي) يؤكد أن "تل أبيب" فشلت في الاستفراد بجبهة واحدة، وأن مفهوم "وحدة الساحات" لا يزال مفعّلاً ميدانياً ويفرض ثقلاً أمنياً وعسكرياً هائلاً على كاهل صانع القرار الإسرائيلي.

ثالثاً: الخلاصة التحليلية الشاملة

يُظهر الموقف العام في يوليو 2026 أن إسرائيل تقف أمام أزمة مركّبة ومتعددة الأبعاد تدمج بين الاستنزاف العسكري، الضيق الاقتصادي، والانقسام الدستوري الحاد.

ميدانياً وسياسياً، تراوح العمليات مكانها بين قصف تكتيكي ونسف للمباني وتوسيع للاستيطان في غزة والضفة، وبين جدار مفاوضات مسدود في القاهرة يسعى فيه الوسطاء لتقديم طروحات مبتكرة (كوديعة السلاح لمصر) لكنها تصطدم بصلابة الشروط التي تضعها الفصائل لإتمام أي اتفاق دائم. هذا العقم السياسي يرافقه استنزاف عسكري مستمر على جبهة جنوب لبنان، يُلحق بجيش العدو خسائر بشرية بالغة في اشتباكات مباشرة وصعبة.

استراتيجياً، يُعتبر العجز المالي لجيش العدو بـ 40 مليار شيكل بمثابة القنبلة الموقوتة التي تهدد القدرة التشغيلية المباشرة للقوات المسلحة في الأسابيع القادمة، مما يعكس الأضرار الهيكلية العميقة لطول أمد الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي. وبدلاً من أن تدفع هذه الضغوط الخارجية والمالية الائتلاف الحاكم لتوحيد صفوفه، تحول المشهد إلى معركة دستورية وجودية مع المحكمة العليا؛ حيث بات كبار الوزراء يدعون جهاراً لتجاوز القانون ورفض الأحكام القضائية، مما ينذر بانتقال تل أبيب إلى حالة من الفوضى السياسية والتفكك المؤسساتي الداخلي.

التوصية الاستشرافية: إن استمرار المشهد وفق هذه المعطيات (دون التوصل لصفقة سياسية تنهي الحرب وتضمن انسحاباً كاملاً) سيعمق من أزمة الاستنزاف العسكري للعدو، وقد يدفع نحو انهيار حقيقي في جاهزية الجيش، فضلاً عن احتمالية تفجر الجبهة السياسية الداخلية دستورياً، وهو ما يمنح قوى المقاومة والإقليم فرصة استراتيجية لفرض شروطها وتثبيت معادلات ميدانية وسياسية جديدة طويلة الأجل.