ترجمة الهدهد

لم تتوقف "إسرائيل" على مدى أكثر من عقدين عن الحلم بالتحول إلى جسر بري يربط قارة آسيا بأوروبا؛ وهو حلم تعددت مسمياته في "الأروقة السياسية الإسرائيلية"، فبدأ بـ "بوابة الشرق"، ثم "سكك حديد السلام"، وتلاها "من الخليج إلى الخليج"، وصولاً إلى التسمية الحالية المعتمدة "مركز التجارة الدولية في إسرائيل" المعروف اختصاراً بممر (IMEC).

وفي كل مرحلة صياغة، كان يلوح في الأفق أن الرؤية الاستراتيجية باتت قاب قوسين أو أدنى من التحقق عبر ربط خطوط القطارات بين دول الخليج وميناء حيفا، لتتدفق الحاويات التجارية وتتحول الدولة من طرف هامشي إلى مركز لوجستي عالمي.

التحذيرات السياسية والمخاطر الاستراتيجية

بينما تعاقبت "الحكومات الإسرائيلية" وبقيت الخطط الهيكلية حبيسة الأدراج، بدأ عامل الوقت ينفد في ظل سعي دولي حثيث لإيجاد بدائل برية وطاقية لمضيق هرمز وباب المندب. وفي هذا السياق، كشفت قناة "N12" عن رسالة بالغة الأهمية وُصفت بالاستثنائية، وجهتها وزيرة النقل "ميري ريغيف" إلى رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو"، تحذر فيها من "خطر استراتيجي حقيقي" يتهدد "إسرائيل"؛ موضحة أن الاستغراق في الحرب الدائرة منح الدول المجاورة فرصة تسريع إنشاء طرق تجارية بديلة قد تخرج تل أبيب نهائياً من خارطة التجارة العالمية.

ورغم محاولات البعض اختزال التحذير في إطار المنافسات الحزبية أو الدعاية الانتخابية، إلا أن الواقع الجيوسياسي يؤكد وجود صراع حقيقي تُقدر قيمته بمئات المليارات من الدولارات؛ حيث يدور التنافس حول من سيفوز بمحطة العبور المركزية التي تربط الهند والخليج بأوروبا في عصر تزداد فيه المخاطر الأمنية المحيطة بالممرات الملاحية التقليدية.

صراع المحاور البرية وبدائل البحار

أفرزت المواجهة المستمرة مع إيران، وأزمات إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، واقعاً دولياً جديداً أسقط الثقة المطلقة في النقل البحري، ودفع نحو تشييد "جسور برية" تدمج الموانئ بالسكك الحديدية وشبكات الطاقة والاتصالات لتجاوز نقاط الاختناق الثلاث: قناة السويس، وباب المندب، ومضيق هرمز. وفيما أعلنت الولايات المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي والسعودية في سبتمبر 2023 عن إطلاق ممر (IMEC) لمواجهة التمدد الصيني وتحويل ميناء حيفا إلى بوابة قارية، جاءت الحرب لتجمد المشروع إسرائيلياً، بينما سارع الخصوم الإقليميون لطرح بدائلهم.

وفي مقابل المحور المدعوم أمريكياً، يتشكل سريعاً محور منافس يقوده الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" بالتعاون مع "أحمد الشرع" (الجولاني)، يهدف لربط الخليج بتركيا عبر الأردن وسوريا، متجاوزاً إسرائيل بالكامل.

تحذيرات قطاع الموانئ "الإسرائيلية"

في الجانب التنفيذي، يقود رئيس مجلس إدارة شركة موانئ "إسرائيل"، "حيزي حلافيا"، حراكاً بهدف لفت الأنظار إلى خطورة الموقف، مؤكداً في مقابلة مع "N12" أن هذا الصراع يمس الأمن القومي والاقتصادي الممتد للأجيال القادمة.

وأشار "حلافيا" إلى أن نحو 99% من تجارة "إسرائيل" تعتمد حالياً على البحر، مما يجعل أي تهديد للممرات المائية خطراً مباشراً على إمدادات الغذاء والطاقة والعتاد العسكري.

وأضاف "حلافيا" محذراً من تكرار خسارة ثورة التكنولوجيا في قطاع التجارة: "يجب ألا نضيع هذه الفرصة ليمر الممر عبر سوريا بدلاً من "إسرائيل"؛ فمشروع (IMEC) صُمم خصيصاً لخلق اعتمادية دولية على "إسرائيل" مما يغير معادلة الأمن الإقليمي برمتها، وأي تأخير إضافي سيكون صرخة ندامة للأجيال القادمة".

التحركات الإقليمية المضادة

على المقلب الآخر، يرى الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في ممر (IMEC) تهديداً مباشراً لبلاده، مصرحاً بأنه "لا يوجد ممر بدون تركيا". وتعمل أنقرة بالتوازي على مسارين؛ الأول "طريق التنمية" عبر العراق بدعم قطري إماراتي، والثاني ممر يمر عبر سوريا مستغلاً تعزز النفوذ التركي هناك بعد انهيار النظام السوري السابق، حيث وُقعت مؤخراً مذكرات تفاهم لوجستية بين تركيا والسعودية، واتفاقيات نقل مشتركة بين سوريا والأردن وتركيا تشمل إحياء خط سكة حديد الحجاز التاريخي.

ولا يقتصر حراك البدائل على تركيا وسوريا؛ فالسعودية تسعى لتكون الجسر الرابط أساساً عبر "رؤية 2030" ومشروع "نيوم"، محاوِلةً موازنة علاقاتها بين واشنطن وبكين. وتتحوط الإمارات عبر الاستثمار في كافة المسارات اللوجستية المطروحة. بدورها، ترى مصر في مشروع (IMEC) تهديداً لعائدات قناة السويس، ولذلك تسارع لترويج ممرات برية تربط موانئ البحر الأحمر بالبحر المتوسط عبر السكك الحديدية، مسوقةً مسارها بأنه الأكثر استقراراً جيوسياسياً.

الأبعاد الأيديولوجية والسياسية للمنافسة

يرى الدكتور "يوئيل غوزانسكي"، رئيس قسم الخليج في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، أن الدوافع التركية السورية لتجاوز إسرائيل ليست اقتصادية فحسب بل تحمل أبعاداً أيديولوجية وجيواستراتيجية واضحة في ظل السياسة التركية الحالية. وأوضح "غوزانسكي" أن الرياض تجد في المسار السوري مصلحة سياسية لتعزيز استقرار دمشق كقوة موازنة للنفوذ الإيراني، فضلاً عن تقديمها للملف الفلسطيني كشرط مسبق قبل التعاون المباشر مع "تل أبيب".

ودعا "غوزانسكي" -الإدارة الإسرائيلية- إلى عدم النظر للمسألة كمعادلة صفرية، بل كشبكة تعاون إقليمي مرنة يمكن تنفيذها تدريجياً كأجزاء من أحجية متكاملة، بدلاً من انتظار مسار موحد يربط كل شيء دفعة واحدة.

عقبات داخلية وسباق مع الزمن

تواجه "الرؤية الإسرائيلية" عقبات تنفيذية وتنظيمية داخلية رصدتها دراسة أعدتها المحامية "إيريس هان" والباحث "غال شاني" لصالح معهد دراسات الأمن القومي؛ وتتمثل في غياب جهة حكومية موحدة للتنسيق، وعدم اكتمال خط سكة حديد (بيت شان - معبر نهر الأردن)، ومحدودية سعة المعابر البرية الحالية، فضلاً عن غياب خطة وطنية شاملة للممرات الدولية.

ورغم هذا الركود، تشهد "الكواليس الإسرائيلية" تحركات دبلوماسية مكثفة؛ حيث أشار "حلافيا" إلى عقد اجتماعات دورية على مدار الأشهر الستة الماضية مع مسؤولين أمريكيين وإماراتيين وأردنيين لحماية مصالح تل أبيب، تزامناً مع وضع الشركة لخطة استراتيجية ممتدة حتى عام 2048 تشمل إنشاء موانئ برية وتوسيع الموانئ البحرية.

الرهان على واشنطن والمزايا التنافسية

تسعى "إسرائيل" لحشد الدعم من واشنطن عبر ربط ممر التجارة بمصالح أمريكية أوسع في المنطقة، تشمل مقترحات لإنشاء مجمع لوجستي وميناء بري في قطاع غزة يخدم أهداف الإدارة الأمريكية الإقليمية. ومع ذلك، تبرز عقبة إضافية متمثلة في التوجهات الأمريكية الأخيرة نحو سوريا؛ فمنذ رفع الرئيس "دونالد ترامب" للعقوبات وإشادته بـ"أحمد الشرع" واصفاً إياه بـ"الشاب القوي"، باتت واشنطن تشجع الاستثمارات وإعادة بناء البنية التحتية هناك، مما قد يسهل لوجستياً تمرير المسار السوري التركي.

تراهن "إسرائيل" في نهاية المطاف -إلى جانب موقعها الجغرافي- على مزايا نوعية تعجز سوريا ما بعد الحرب عن توفيرها في المدى المنظور، مثل الاستقرار المؤسسي، وقوة النظام المصرفي والقانوني، والتفوق التكنولوجي والقدرة على حماية البنية التحتية الحيوية.

ويظل التخوف الأكبر يكمن في لجوء المحور التركي السوري إلى سياسة الإغلاق الجمركي وتقديم تعريفات منخفضة للغاية لجذب شركات الشحن العالمية؛ مما يضع "إسرائيل" أمام معركة حقيقية تتطلب تحويل الرؤية السياسية إلى بنية تحتية ملموسة على الأرض دون إبطاء، كي لا تجد الممر العظيم للقرن الـ 21 يمر على بعد بضع مئات الكيلومترات شرق حدودها.

المصدر: " القناة 12"/ "إيتام ألمادون"