مواجهة عاصفة تفضح اتساع الشقاق الداخلي في "إسرائيل"
ترجمة الهدهد
تحت وطأة الانقسام السياسي المتصاعد، لم تعد صراعات الكنيست مجرد استعراض أمام الكاميرات بل تحولت إلى كراهية حقيقية وشخصية متبادلة، تجلت في حالة الفوضى العارمة والاتهامات المتبادلة بين الائتلاف والمعارضة، وهو ما دفع المحلل السياسي "ناحوم بيري" للتحذير من زيف شعارات "حكومة الوحدة الوطنية" و"رأب الصدع" في ظل عجز الممثلين المنتخبين عن الارتقاء بعلاقاتهم الإنسانية البسيطة وتجنيب الكيان الانهيار الداخلي.
تجاوزت حدة السجالات داخل أروقة الكنيست هذا الأسبوع حدود المنافسة السياسية التقليدية، لتكشف عن عداء عميق وشخصي متغلغل بين أعضاء البرلمان؛ حيث سقطت الأقنعة التي لطالما صورت الصراخ تحت قبة البرلمان مجرد "تمثيلية تنتهي بتبادل الابتسامات في الكافيتريا".
وانفجرت الجلسات العامة واللجان في فوضى عارمة، كان أبرز محركاتها النقاش العاصف والتصويت على قانون إنهاء احتجاز متدربي التجنيد من "الحريديم"، ما أظهر استعراضاً صارخاً للعداء المتبادل؛ إذ صرخت المعارضة بغضب شديد في وجه رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو"، بينما رد الائتلاف بحملة تحريض شرسة ضد خصومه وضد المستشار القانوني للحكومة وقضاة المحكمة العليا، محولاً الخلاف الأيديولوجي إلى شجار قبيح يرى فيه كل طرف الآخر كعدو وجودي لا كشريك في إدارة الدولة.
وتعود جذور هذا الانقسام الحاد إلى يناير من عام 2023 مع طرح خطة "الإصلاح القضائي" وما تلاها من احتجاجات صاخبة وإغلاق للطرقات، وهي الأزمة التي هدأ تضخمها مؤقتاً بفعل كارثة 7 أكتوبر التي فرضت شعارات مثل "معاً سننتصر" والتواضع والمصير المشترك.
غير أن ساسة "إسرائيل" سرعان ما استأنفوا صراعاتهم من حيث توقفت قبل الحرب، متجاهلين نحو ثلاث سنوات من الفقدان والصدمة الوطنية، ليعودوا إلى مربع التحريض والتمزق الاجتماعي ذاته، وكأن الكارثة لم تقع.
ولم تكن اللحظة الأكثر صدمة في الكنيست هذا الأسبوع نابعة من مشادات النواب، بل من مواجهتهم المباشرة مع الجنود العائدين من الميدان؛ إذ تفجرت الأوضاع حين صرخ أحد المحاربين المتمرسين والدموع في عينيه مستنكراً التفاهة السياسية وصراخ المسؤولين، وموجهاً لهم عبارة قاسية: "كيف تديرون بلداً كهذا؟".
ورغم أن هذه الحقيقة المرة فرضت صمتاً مطبقاً وخجلاً خفض الرؤوس لدقيقة واحدة في اللجنة، إلا أن الميكروفونات سُرعان ما أُعيد تشغيلها لتستأنف الجدالات السياسية الرخيصة هيمنتها على المشهد، دافعة بالسياسة مجدداً لتدنيس مساحات الألم والقدسية.
وفي ظل هذا الواقع المتأزم، تبدو شعارات "حكومة الوحدة الوطنية" ورأب الصدع مجرد مستحضرات تجميلية صاغها مستشارون إعلاميون بلا قيمة حقيقية على أرض الواقع؛ فلن تنجح أي حكومة في إصلاح المجتمع ما لم يرتقِ الساسة بأسلوب تعاملهم الإنساني المتبادل.
ويواجه المسؤولون المنتخبون اليوم استحقاقاً مصيرياً لتذكر دورهم في تمثيل كافة الأطياف، إذ إن استمرار لغة التحريض والتجاهل يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي الهش وانهيار الكنيست من الداخل، ليصبح عاجزاً تماماً عن تمثيل اليهود أو البقاء كجهة ذات صلة.
المصدر: معاريف/ "ناحوم بيري"