شبكة الهدهد

المشهد الإسرائيلي الداخلي وتصدع البنية السياسية

أولاً: التشريعات المثيرة للجدل والتحول الفكري

•             قانون إضعاف الإعلام: صادق الكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة (بأغلبية 53 مقابل 48) على قانون وزير الاتصالات "شلومو كرعي" الهادف لإضعاف وتقييد وسائل الإعلام الحرة. وأثار القانون موجة غضب عارمة؛ حيث وصفه نفتالي بينيت بأنه "قانون وهمي وخطير للحفاظ على البقاء السياسي للحكومة"، فيما اعتبره أفيغدور ليبرمان "خطوة تجعل إسرائيل تشبه إيران". وقدمت جهات إعلامية التماساً للمحكمة العليا لإلغائه.

•             الفصل الأكاديمي بين الجنسين: أقر الكنيست قانوناً يسمح بالفصل بين الجنسين في الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) وتكريسه في الأماكن العامة بالمؤسسات. ولاقى القانون معارضة شرسة من المعارضة ورؤساء الجامعات الكبرى (مثل جامعات تل أبيب، والعبرية، وبن غوريون) الذين اعتبروه إقصاءً للمرأة وانتهاكاً صارخاً للحرية الأكاديمية.

•             مقترح "سجن التماسيح" وتعديل تصنيف الحيوانات: في خطوة دعائية انتخابية غريبة، اتفقت وزيرة حماية البيئة "عيديت سيلمان" مع وزير الأمن القومي المتطرف "إيتمار بن غفير" على تعديل تصنيف التماسيح لشرعنة نقلها إلى سجن "كتسيعوت" تمهيداً لإنشاء سجن للأسرى الفلسطينيين محاط بالتماسيح.

•             المسجد الأقصى والوضع القائم: لأول مرة، دعا وزراء وأعضاء كنيست من حزب "الليكود" الحاكم علناً خلال مؤتمر "إدارة جبل الهيكل" إلى تغيير الوضع الراهن في المسجد الأقصى ومنع المسلمين من الصلاة فيه إذا لم يُسمح لليهود بالصلاة بحرية.

ثانياً: الصراعات الحزبية والعسكرية وتراجع شعبية نتنياهو

•             الفوضى داخل الليكود: سادت حالة من الفوضى العارمة والنزاع القانوني في مؤتمر حزب "الليكود" بسبب اتهامات بتزوير بطاقات الاقتراع وصياغتها بطريقة مضللة تنسب لنتنياهو مواقف معينة. وأكد أعضاء كنيست وجود محاولات داخلية سابقة للإطاحة بنتنياهو.

•             تراجع حاد في استطلاعات الرأي: لأول مرة يتراجع نتنياهو أمام "غادي آيزنكوت" في ملاءمته لرئاسة الوزراء؛ حيث حصل آيزنكوت على 47% مقابل 44% لنتنياهو.

•             تصدع الائتلاف الحاكم: انسحب عضوان من الكنيست ينتميان لحزب "الصهيونية الدينية" احتجاجاً على دعم ائتلافهما لقوانين تضر بالجيش، مثل قانون عدم اعتقال المتهربين من الخدمة العسكرية (الحريديم).

•             الصدام بين الحكومة والجيش: شن زعيم حزب "شاس" أرييه درعي هجوماً لاذعاً على رئيس الأركان متهماً إياه بفقدان السيطرة والانخراط في السياسة لمصلحة اليسار. ورد الناطق باسم الجيش واصفاً هذه الانتقادات بأنها "رخيصة وغير موضوعية". وفي سياق متصل، كشفت تقارير أن وزارة المالية مارست ألاعيب بالميزانية حالت دون شراء 12 مروحية قتالية متطورة طلبتها قيادة الجيش لمواجهة سيناريوهات تسلل حدودية مستقبلية.

•             الانقسام الداخلي والكنيست المأزوم: سلط الكاتب "ناحوم بيري" الضوء على الانهيار الأخلاقي والعداء الشخصي الشديد السائد داخل الكنيست. وتطرق إلى صرخة محارب جريح صدمت الأعضاء لثوانٍ معدودة قبل أن يعودوا لمهاتراتهم السياسية.

•             ملف الأسرى والتعذيب الممنهج:

o            كشف الدكتور حسام أبو صفية (مدير مستشفى كمال عدوان المعتقل منذ ديسمبر 2024 دون تهمة) لمحاميه عن تعرضه للضرب المبرح مجدداً داخل زنزانته الانفرادية تحت الأرض في مرفق "ركيفت" السري وعزله عقاباً على زيارة محاميه السابقة. ويواجه أبو صفية خطراً صحياً شديداً يهدد عينيه وجسده دون رعاية طبية. وتطالب منظمات حقوقية بالتدخل العاجل لإنقاذ حياته وحياة 14 طبيباً معتقلاً. كما شهدت بريطانيا وقفة تضامنية قادتها النائبة هانا سبنسر للمطالبة بالإفراج الفوري عنه.

المتغيرات الدبلوماسية والدولية ومواقف القوى العظمى

أولاً: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي

•             تصويت تاريخي لقطع المساعدات: في مؤشر خطير يعكس شرخاً عميقاً في العلاقات الثنائية وتراجع مكانة إسرائيل التقليدية، صوّت 103 مشرعين ديمقراطيين بمجلس النواب الأمريكي لصالح تعديل ميزانية يقضي بقطع المساعدات العسكرية المقدرة بـ 3.3 مليار دولار عن إسرائيل.

•             موقف بيلوسي البارز: أعلنت رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي (الحليفة التاريخية لإسرائيل) تأييدها للتعديل، مؤكدة ضرورة إنهاء دوامة الحرب التي تذكيها حكومة نتنياهو. ووصفت أطراف ديمقراطية أخرى مثل خواكين كاسترو وروبرت غارسيا سياسات نتنياهو بأنها تندرج تحت مسمى "التطهير العرقي" واعتبرته زعيماً فاسداً يجب محاكمته لا مكافأته بالسلاح.

•             تأجيل زيارة نتنياهو: أعلن مكتب نتنياهو إلغاء وتأجيل زيارته المقررة لواشنطن الأسبوع المقبل بسبب تأجيل مراسم تشييع جثمان السيناتور ليندسي غراهام إلى نهاية الشهر.

•             إرث ليندسي غراهام المثير للجدل: نعت الأوساط الإسرائيلية غراهام بوصفه "أعظم صديق تاريخي". غير أن الكاتب جدعون ليفي انتقده بشدة، واصفاً إياه بأنه "صديق لمجرمي الحرب وليس لإسرائيل"، ومحرض على تدمير غزة بالقنابل الذرية وتكريس نظام الفصل العنصري.

ثانياً: التحرك الدبلوماسي لإدارة قطاع غزة ما بعد الحرب

•             استعدادات لوصول قوات دولية: تسارعت الأعمال الميدانية وبناء القواعد لاستقبال قوات دولية ستصل قريباً إلى قطاع غزة كجزء من الانتقال إلى المرحلة "ب" من خطة ترامب لإدارة الأمن وتوزيع المساعدات.

•             دور القوات المغربية: أعلن مجلس السلام في غزة أن قوات مغربية تستعد للانتشار في القطاع لتأمين توزيع المساعدات وتدريب أفراد الشرطة التابعين للجنة الإدارية المحلية.

•             مباحثات قطرية مستمرة: أكد مكتب الإعلام الدولي بقطر مواصلة الدوحة لجهودها الدبلوماسية مع الشركاء الإقليميين والدوليين للوصول إلى اتفاق شامل ومستدام لوقف إطلاق النار.

ثالثاً: خطاب دونالد ترامب المثير للجدل وتفجير ملف الانتخابات

•             الضرب الاستباقي لخصومه: ألقى دونالد ترامب خطاباً نارياً ركز فيه على منجزاته الاقتصادية (انخفاض التضخم، استثمارات غير مسبوقة، صعود الأسواق المالية).

•             رفع السرية عن وثائق الاختراق الصيني: أعلن ترامب رفع السرية فوراً عن وثائق استخباراتية حاسمة تكشف تعرض النظام الانتخابي الأمريكي لاختراق وقرصنة صينية واسعة النطاق لبيانات الناخبين بدأت منذ عام 2020 بدعم من "حكومة ظل" متواطئة داخل وكالات الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالي لصالحه خصومه.

•             قانون حماية أمريكا: طالب ترامب الكونغرس بتمرير قانون صارم يفرض إثبات المواطنة وإبراز الهوية ذات الصورة الشخصية، وإلغاء التصويت بالبريد بالكامل لضمان سلامة العملية الديمقراطية.

تقدير موقف (في نقاط مكثفة)

1.           انتقال الثقل العسكري: إسرائيل تحصر نشاطها البري والجوي الرئيسي داخل قطاع غزة بعد تجميد جبهة لبنان والامتناع عن المشاركة العسكرية المباشرة في الضربات الأمريكية ضد إيران.

2.           عسكرة مضيق هرمز وباب المندب: تضع واشنطن وطهران الإقليم على شفا مواجهة طاقة دولية شاملة؛ فالقصف الأمريكي المستمر للجسور والقواعد الإيرانية يقابله استعداد إيراني حوثي معلن لإغلاق الممرات المائية الحيوية تماماً وشل صادرات النفط.

3.           تصدع جدار الدعم الديمقراطي لإسرائيل: يمثل تصويت 103 نواب ديمقراطيين لقطع المساعدات العسكرية تحولاً بنيوياً وتاريخياً في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، مما يضع حكومة اليمين في عزلة مستقبلية متزايدة.

4.           الانزلاق الإسرائيلي نحو الفاشية التشريعية: سعي الائتلاف الحاكم لسن قوانين تضعف الإعلام وتشرعن الفصل العنصري والأكاديمي وتجاوز التعهدات القضائية يهدد بتفكيك البنية الديمقراطية والاجتماعية لإسرائيل من الداخل.

5.           الملف الأمني والمغربي المشترك: تكشف وثائق الاختراق والتعاون السيبراني والتجسسي السري الممتد (مثل استخدام برمجيات NSO وسيلبرايت) كيف وظف المغرب التكنولوجيا الإسرائيلية للتجسس الإقليمي، في مقابل بروزه الآن كشريك ميداني رئيسي في ترتيبات أمن غزة المستقبلية عبر نشر قواته.

خلاصة تحليلية شاملة

يعيش الشرق الأوسط مرحلة تداخل حاد ومعقد بين حروب الاستنزاف الميدانية في فلسطين ولبنان، والمواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران التي بلغت ذروتها في ليلتها السادسة وتطال عمق الموانئ والبنى التحتية للمواصلات الإيرانية.

ميدانياً، تتشبث حكومة اليمين الإسرائيلية بمواصلة الحرب والسيطرة الجغرافية على قطاع غزة بالرغم من الارتفاع الهائل في حصيلة الشهداء التي تجاوزت 73 ألفاً، وتستغل الهدوء النسبي في الشمال لتركيز ضرباتها. لكن هذا التصلب العسكري والسياسي يقابله تآكل داخلي غير مسبوق في المجتمع الإسرائيلي تظهره الصراعات الحزبية العميقة، والصدام المباشر بين المؤسسة العسكرية والحكومة، والتشريعات المتطرفة التي تحول هوية الدولة نحو الفاشية الدينية (الفصل بين الجنسين، إسكات الإعلام).

دولياً، تدشن الولايات المتحدة والائتلاف الدولي مرحلة إعادة ترتيب قطاع غزة أمنياً وإدارياً عبر الاستعانة بقوات دولية وعربية (خاصة المغرب) في إطار خطة ترامب، على الرغم من أن السلوك السياسي الأمريكي يعاني من تشققات خطيرة؛ فالداخل الأمريكي منقسم حول جدوى دعم إسرائيل غير المشروط (تجلى في تمرد ديمقراطي لافت لقطع المساعدات)، بينما يعيد ترامب إشعال أزمات الأمن الداخلي والشرعية الانتخابية عبر ملفات التدخل الصيني لضرب خصومه وصناعة حالة استقطاب شعبوية قصوى.

الخلاصة: إن الإقليم مقبل على انفجار أوسع إذا ما قررت طهران وحلفاؤها تنفيذ تهديد شل حركة الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب رداً على الضربات الأمريكية المتواصلة. وفي حين تحاول إسرائيل الهروب من مآزقها الداخلية عبر استعراض القوة العسكرية في غزة، فإن البنية السياسية والائتلافية الحاكمة في تل أبيب تتجه نحو الانهيار الذاتي والتفكك الأخلاقي أمام الضغط العسكري ومطالب الشارع والتحولات الدبلوماسية الدولية العميقة.