ترجمة الهدهد

فرض الملف الأمني نفسه كمحور أوحد لـ "لمعركة الانتخابية الإسرائيلية" المرتقبة خلال المئة يوم القادمة، متجاوزاً أزمات داخلية حادة كان مفترضاً التركيز عليها كـ "انهيار الديمقراطية"، وتصاعد العنف، وغلاء المعيشة، وسوء استغلال السلطة لصالح المقربين.

وتتمحور المواجهة السياسية حول تداعيات كارثة 7 أكتوبر؛ حيث يسعى "رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو" لطمس إخفاقات ذلك اليوم والتركيز على ما بعده، في حين يركز خصومه على فشله الذريع والارتهان للمتطرفين، وسط تساؤلات مصيرية يواجهها الناخب حول مستقبل وجود الكيان وشكلها.

وتتلخص هذه القراءة التحليلية للواقع المعقد في ثماني نقاط جوهرية:

أولاً: التهرب من المسؤولية وغياب لجنة التحقيق

لا يمكن تصحيح المسار السياسي دون توضيح الحقائق، وهي الخطوة المعطلة لأسباب شخصية وسياسية؛ إذ يمتنع "نتنياهو" عن تشكيل لجنة تحقيق رسمية خشية تحميله المسؤولية. وفي حين اقتصرت الاستقالات واستخلاص النتائج على كبار قادة المؤسسة الأمنية، بقيت القيادة السياسية متهربة من المحاسبة رغم ثبوت رؤيتها لحماس كبديل للحكم، وتشجيع تمويلها، وتجاهل تسليحها، وعرقلة تصفية قادتها.

ثانياً: وهم "النصر الكامل" وتعاظم التهديدات

لم يتحقق شعار "النصر الكامل" الذي يروّج له "نتنياهو" على أي جبهة، رغم الأثمان الباهظة في الأرواح والإصابات الجسدية والنفسية وفقدان الشرعية الدولية. فالحركة لا تزال تسيطر على غزة، وحزب الله يحتفظ بمكانته كلاعب رئيسي في لبنان، وإيران على بُعد خطوة من القنبلة النووية، في حين لا يزال الشمال الإسرائيلي مهجراً وبعيد المنال.

ثالثاً: غياب الاستراتيجية وإهدار الفرص الإقليمية

تفتقر إسرائيل لرؤية واضحة لإنهاء الحروب "اليوم التالي" نتيجة ارتهان الحكومة للمتطرفين؛ مما تسبب في تضخيم الإنجازات العسكرية وتفويت مكاسب سياسية كبرى، أبرزها إهدار فرصة توقيع اتفاق سلام مع السعودية قبل عامين، والفشل في تغيير النظام بغزة أو تحييد خطر إيران قبل الدخول في مواجهات متعددة.

رابعاً: تآكل الشرعية الدولية وفقدان الدعم الأمريكي

فقدت "إسرائيل" وفرة الدعم الدولي الفيدرالي وأسلحة المساعدات التي حظيت بها بداية الحرب، وسط تصاعد مقلق للمقاطعة الاقتصادية والأكاديمية العالمية وموجات معاداة السامية.

والأخطر هو الانهيار غير المسبوق لمكانتها في الولايات المتحدة، والذي تجسد في تصريحات تحذيرية لنائب الرئيس "جيه. دي. فانس" تنذر بتآكل الدعم داخل الحزب الجمهوري، فضلاً عن تصويت "الكونغرس" الذي كاد يجمّد المساعدات العسكرية، وتحذيرات المشرّع الديمقراطي البارز "آدم سميث" الذي انتقد سلوك الحكومة وذكر الوزيرين "بن غفير" و"سموتريتش" بالاسم كسبب لضرورة تغيير المسار.

خامساً: تراجع الردع الإقليمي وصعود القوى البديلة

تجاهل "نتنياهو" تحذيرات القادة الأمنيين عشية أكتوبر بأن الخلاف الداخلي حول "الثورة القانونية" يُفسر كعجز يُغري بالهجوم. ورغم أن عمليات نوعية مثل "أجهزة النداء" (البيجر) في لبنان والضربة الأولى لإيران أعادت الردع مؤقتاً، إلا أن الأشهر الأخيرة شهدت تآكلاً جديداً تزامن مع صعود نفوذ تركيا في البيت الأبيض وابتعاد دول عربية محورية.

سادساً: ارتهان القرار للمتطرفين وسحق "جيش الشعب"

يهيمن المتطرفون على مفاصل الكيان، حيث يتباهى وزير المالية "بتسلئيل سموتريتش" بملف الرهائن رغم إفشاله لكافة الاتفاقيات باستثناء الأولى. كما أدى التحالف الموازي مع الأحزاب "الحريدية" إلى سحق قيم المساواة وتهديد نموذج "جيش الشعب" عبر قوانين الإعفاء من التجنيد، متجاهلين تحذيرات رئيس الأركان الخطيرة باسم المصالح الضيقة.

سابعاً: الفشل الأمني الداخلي وإهمال الشرطة

يعد تفاخر "نتنياهو" الأخير بالاستعانة بجهاز الأمن العام "الشاباك" لمكافحة الجريمة بالمجتمع العربي إدانة له؛ لتأخره أربع سنوات في التحرك وتخليه عن جهاز الشرطة لصالح وزير مجرم وغير كفؤ كـ "بن غفير". وتأتي محاولات تركيز الهجوم الانتخابي على "منصور عباس" كخطيئة سياسية، إذ توجب العقلانية تعزيز الشراكة مع الفلسطينيين لا تنفيرهم.

ثامناً: الملفات الشخصية واختراق "مكتب رئيس الوزراء"

تواجه بيئة "نتنياهو" أزمة أخلاقية وأمنية حادة؛ فمن غير المعقول وجود أشخاص عملوا لصالح قطر كأعضاء مقربين في مكتبه تسببوا في تسريب وعرض مصادر استخباراتية حساسة للخطر. ويتزامن ذلك مع انشغال غير مبرر بتأمين أفراد عائلته، في وقت يُحرم فيه رؤساء "الموساد" و"الشاباك" وقادة الأركان السابقون من أي حماية.

المصدر: صحيفة "إسرائيل هيوم"/ "يواف ليمور"