حرب استنزاف أو تسوية
ترجمة: الهدهد
يديعوت أحرنوت
الدكتور راز تسيميت
مدير برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد دراسات الأمن القومي (INSS).
أثارت الذكرى الثامنة والثلاثون لاعتماد قرار مجلس الأمن رقم 598، الذي أنهى الحرب الإيرانية العراقية، نقاشًا عامًا حادًا في إيران. ويرى كثيرون أوجه تشابه بين الظروف التي دفعت قائد الثورة، آية الله روح الله الخميني، إلى الموافقة على وقف إطلاق النار مع العراق في 18 يوليو/تموز 1988، والمواجهة الحالية مع الولايات المتحدة. ويعكس هذا النقاش أيضًا الجدل الداخلي الدائر في إيران بين البراغماتيين والمتشددين في خضم تصعيد متجدد بين إيران والولايات المتحدة.
ترى المدرسة البراغماتية في هذا القرار تعبيرًا عن قيادة مسؤولة، أعطت الأولوية للمصالح الوطنية طويلة الأمد على التمسك بالمُثل والشعارات. ففي رأيهم، أدرك الخميني أن استمرار الحرب سيؤدي إلى تدهور عسكري واقتصادي واجتماعي، نظرًا للدعم الدولي للعراق، وضعف الجبهة الداخلية الإيرانية، وخطر التدخل الأمريكي المباشر. وهذا هو الدرس المستفاد اليوم أيضًا: يجب استخدام الدبلوماسية كوسيلة لتحقيق القوة، مع إدراك أنه لا يمكن تحقيق جميع الأهداف، وأنه في بعض الأحيان يكون من الأفضل الاكتفاء بإنجازات جزئية بدلًا من الانجرار إلى حرب استنزاف. وقد زعم الصحفي والناشط السياسي الإصلاحي أحمد زيدابادي أنه عندما توصل الخميني إلى قناعة بأن استمرار الحرب التي دامت ثماني سنوات لم يعد يخدم مصالح البلاد، تحمل المسؤولية كاملةً ووافق على "شرب الكأس المسمومة"، على حد تعبيره، على الرغم من إصراره السابق على مواصلة الحرب حتى الإطاحة بصدام حسين.
من جهة أخرى، يرفض التيار الراديكالي أي مقارنة بين عام 1988 والوضع الراهن. ويزعمون أن القرار 598 صدر لأن إيران لم تكن قادرة على مواجهة الولايات المتحدة بعد امتداد الحرب إلى الخليج العربي، بينما الواقع اليوم عكس ذلك تمامًا: فإيران تمتلك القدرة على القتال في الساحة الإقليمية، وإلحاق الضرر بالقوات الأمريكية، وتهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز. لذلك، يقولون إنه لا مجال لمزيد من التصعيد، وأن الدعوات إلى تقديم تنازلات سياسية لا تخدم إلا مصالح العدو. فعلى سبيل المثال، زعم الناشط السياسي والإعلامي وحيد يمين بور أن الجمهورية الإسلامية وافقت على وقف إطلاق النار عام 1988 بسبب عجزها عن مواجهة الولايات المتحدة في الخليج العربي.
واليوم، تمتلك الولايات المتحدة تكنولوجيا عسكرية أكثر تطورًا بكثير مما كانت عليه آنذاك، لكنها عاجزة عن فتح مضيق عرضه 30 كيلومترًا ومرور سفينة واحدة عبره، بينما إيران تُحكم قبضتها على المضيق في معركة مصيرية من أجل مستقبلها ومستقبل المنطقة.
على أي حال، ونظرًا لتصاعد الهجمات الأمريكية على إيران وخيبة الأمل إزاء انهيار مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، يبدو أن القيادة الإيرانية -رغم الخلافات الداخلية- لا تُبدي في هذه المرحلة أي استعداد لاتخاذ قرارات صعبة ومؤلمة كتلك التي اتخذها الخميني قبل 38 عامًا. ولا يعكس هذا النهج شعورًا بالأمان وانعدام ثقة تام بالإدارة الأمريكية فحسب، بل يُظهر أيضًا إدراكًا للحاجة المُلحة إلى تحويل الإنجازات التي حققتها إيران خلال الحرب، ولا سيما السيطرة على مضيق هرمز، إلى ضمانات أمنية واقتصادية طويلة الأمد. وذلك حتى لو كان ذلك على حساب المخاطر المرتبطة باستمرار التصعيد الحالي.
القوة العسكرية إلى جانب المفاوضات
علاوة على ذلك، ترى القيادة الإيرانية أنه لا يوجد بالضرورة تناقض بين الرغبة المبدئية في التفاوض لإنهاء الحرب والموقف الحازم تجاه حقوق إيران ومصالحها الحيوية. هذا الرأي وارد في مقال نُشر في وكالة أنباء إيرانية تابعة لعناصر في المجلس الأعلى للأمن القومي. ويشير المقال إلى أن ذكرى القرار 598 تُذكّر بولادة مفهوم استراتيجي يجمع بين الاستعداد لاستخدام القوة العسكرية والدبلوماسية. ووفقًا للموقع الإلكتروني، فإن أخطر خطأ استراتيجي هو النظر إلى "الحرب" و"السلام" كمفهومين متناقضين؛ وكأن كل من يتحدث عن المفاوضات قد نأى بنفسه عن المقاومة، وكل من يُشدد على القوة العسكرية قد أغلق باب الحوار. لا يُختبر النظام السياسي بقدرته على القتال فحسب، بل أيضًا بقدرته على تحديد التوقيت المناسب لتغيير ساحة الصراع. لم يكن قرار الموافقة على وقف إطلاق النار مع العراق نهاية للمقاومة، بل كان بمثابة انتقالها من الساحة العسكرية إلى الساحة السياسية والقانونية.
من وجهة نظر القيادة الإيرانية، ليس بالضرورة أن يكون هناك تناقض بين الرغبة من حيث المبدأ في التفاوض لإنهاء الحرب والموقف الحازم تجاه حقوق إيران ومصالحها الحيوية.
تعد هذه التجربة التاريخية أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى. ففي الأشهر الأخيرة، خاضت إيران حربًا ضارية ضد الولايات المتحدة و"الكيان الصهيوني"، مُثبتةً أن الجمهورية الإسلامية لا تتردد في الدفاع عن سيادتها وأمنها واستقلالها، وأنها إذا ما فُرضت عليها الحرب، فستردّ ردًا مناسبًا وحاسمًا. إلا أن تلك الحرب أظهرت أن حتى أنجح العمليات العسكرية لا تُنهي التنافس. فبعد أن تصمت الأسلحة، تبدأ المعركة في ساحات أخرى - في الدبلوماسية والقانون الدولي والاقتصاد والإعلام والرأي العام. لذا، إذا كانت القوة الصاروخية والقدرة الدفاعية والتماسك الوطني هي أهمّ ما تملكه إيران في أيام الحرب، فإن الدبلوماسية الحكيمة والمفاوضات المركزة والإدارة السياسية الرشيدة ستكون في مرحلة ما بعد الحرب مكمّلةً لتلك القوة.
وخلص المقال إلى أن أهم رسالة في ذكرى القرار 598 لإيران اليوم هي أن الشجاعة لا تتجلى فقط في إطلاق الصواريخ أو التواجد في ساحة المعركة، بل أيضاً في قدرة الأمة على معرفة متى تقاتل، ومتى تتفاوض، وفي كلتا الحالتين - عدم التراجع عن مبدأ واحد: الحفاظ على إيران، وحماية استقلالها، وضمان مصالحها الوطنية.