هل وقع مصير الاتفاق مع السعودية على رئيس الوزراء الخطأ؟
ترجمة الهدهد
إن الفرصة التاريخية لوصول اتفاقية تطبيع بين كيان العدو والسعودية في ظل "إدارة بايدن" الديموقراطية ضعيفة جداً، ويعود سبب الفشل الرئيسي إلى توقيت وجود حكومة اليمين الكامل برئاسة "نتنياهو" الذي يعبث في مصير الكيان منذ شهور من منطلقات شخصية بحتة.
يقول الكاتبان اللواء احتياط "عاموس يادلين" الرئيس السابق لاستخبارات العدو والدكتور "أفنير غولوب" وهو مسؤول كبير سابق في مجلس الأمن القومي للعدو: جلسنا مع حوالي 20 خبيراً بارزاً من الولايات المتحدة و"إسرائيل" والمنطقة لمناقشة سيناريو صفقة ثلاثية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية و"إسرائيل" تشمل التطبيع بين الرياض وتل أبيب.
حدث ذلك في مارس من هذا العام في مركز "بيلفر" بجامعة "هارفارد"، قبل بدء المناقشة، سألنا من في الغرفة يعتقد أن هناك احتمالاً معقولاً لإتمام مثل هذه الصفقة بحلول نهاية عام 2024. لم يرفع خبير واحد يده.
ثلاثة أسباب رئيسية أدت إلى هذا الإجماع:
السبب الأول: كان من الصعب رؤية "إدارة بايدن" توافق على مطالب المملكة العربية السعودية، وخاصة الموافقة على برنامج نووي مدني، يتضمن قدرتها على تخصيب اليورانيوم إلى جانب مفاعلات الطاقة القادرة على إنتاج البلوتونيوم وهما عنصران حاسمان في برنامج نووي عسكري.
تقديم ضمانات أمنية أمريكية تقنع السعوديين بأن الولايات المتحدة ستدافع عنها إذا هاجمتها إيران، على خلفية رد أمريكي بطيء وضعيف على هجوم الطائرات الإيرانية بدون طيار عام2019على منشأة أرامكو؛ وتزويد السعوديين بأسلحة أمريكية متطورة، نظراً لمكانة المملكة العربية السعودية الضعيفة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
السبب الثاني: وصلت العلاقات بين "الرئيس بايدن" والسعودي ولي عهد محمد بن سلمان إلى نقطة متدنية بعد سلسلة من الإهانات المتبادلة: من تعريف المملكة العربية السعودية بأنها دولة "منبوذة" وفقا لـ "بايدن" بعد مقتل الصحفي السعودي خاشقجي، والقرار السعودي بخفض إنتاج النفط ورفع أسعار الطاقة عشية انتخابات الكونغرس الأمريكي في نوفمبر الماضي وهو حدث ينظر إليه في الولايات المتحدة على أنه محاولة سعودية للتدخل في السياسة الداخلية نيابة عن الجمهوريين.
كل هذا بالإضافة إلى التحركات السعودية لتعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الصين، أكبر منافس للولايات المتحدة للهيمنة العالمية.
السبب الثالث: في "إسرائيل"، تم تشكيل حكومة "يمين كامل"، ولم يكن من الواضح إلى أي مدى سيضع "نتنياهو" يديه على عجلة القيادة كما وعد، وما هي قدرته على تعزيز التسويات المطلوبة في الساحة الفلسطينية لتلبية المطالب السعودية والأمريكية بشأن هذه القضية.
الرغبة والموانع
بالرغم من التحدي الهائل، لا ينبغي للمرء أن يقلل من شأن ثلاثة زعماء يسعون إلى التوصل لاتفاق يخدم مصالحهم ومصالح بلدانهم، حتى اليوم فإن التقييم هو أن هذه صفقة طموحة للغاية، وفرص استكمالها في العام المقبل، قبل عطلة الكونجرس قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في صيف عام 2024، ليست عالية.
ومع ذلك، فمن الواضح أنه في الأشهر الأخيرة ألقى قادة الدول الثلاث بثقلهم لفحص جدي للقدرة على إتمام صفقة من شأنها أن تعزز بشكل كبير المصالح الاستراتيجية لبلدانهم وحتى تضعهم في وضع جيد للفوز بجائزة نوبل للسلام:
"الرئيس بايدن": رعاية الصين لاتفاق الانفراج بين إيران والسعودية جعلته يدرك ضرورة العمل على إبقاء السعودية -القيادية البارزة في العالم العربي والإسلامي- في المعسكر الموالي لأمريكا ومنعها من الانزلاق إلى تعاون استراتيجي مع الصين.
والعلاقة مع المملكة مهمة أيضاً لـ "بايدن" من أجل الحفاظ على التأثير على أسعار النفط العالمية، وخاصة في عام الانتخابات، وبالرغم من أن الولايات المتحدة لا تعتمد على النفط السعودي، إلا أنها تدرك أن سعر النفط محدد في الرياض.
ولي عهد السعودي بن سلمان: يبدو أنه قد أقنعته وفود المشرعين الأمريكيين إلى المملكة، وخاصة برسائل السيناتور الجمهوري "ليندسي غراهام" (مؤيد لإسرائيل وصديق للرئيس بايدن)، بأن المملكة العربية السعودية يجب أن تروج لاتفاق في ظل إدارة ديمقراطية من أجل كسب دعم الكونغرس من الحزبين للاتفاق، وبالتالي تعزيزه في مواجهة التغيرات السياسية في البيت الأبيض ووضع قضية مقتل خاشقجي وراءه.
"نتنياهو": التطبيع مع السعودية سيكون بمثابة علاج لتدمير القيمة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية التي خلقتها حكومته منذ تأسيسها، مع التركيز على تعزيز الانقلاب القضائي بدلاً من الأهداف الاستراتيجية التي حددها "نتنياهو" على أنها الأكثر أهمية، منع إيران من امتلاك أسلحة نووية وإدخال السعودية في دائرة التطبيع.
الطريق يمر عبر واشنطن
في الوقت نفسه، يجب أن نتذكر أنه على عكس الافتراض الكامن وراء اتفاقيات إبراهام - أن طريق الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب إلى واشنطن يمر عبر تل أبيب - في الحالة السعودية يمر الطريق من تل أبيب إلى الرياض عبر واشنطن.
تعتمد الصفقة برمتها على اتفاق الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية على مطالبهما المشتركة، بما في ذلك استعداد المملكة العربية السعودية لعزل نفسها عن الصين في المجالات الحساسة للولايات المتحدة، وخاصة الأمن والبنية التحتية الوطنية والتقنيات المتقدمة.
وسيطلب من "إسرائيل" المساعدة في الموافقة على الصفقة من قبل الكونغرس الأمريكي، يجب أن يتم دعم "إسرائيل" فقط بعد العثور على طريقة لعدم الإضرار بالميزة النوعية والعسكرية لـ "إسرائيل" نتيجة لمبيعات الأسلحة المتقدمة إلى المملكة العربية السعودية، وأن تتلقى "إسرائيل" رداً على مخاوفها بشأن برنامج نووي سعودي مدني يمكن أن يوفر بنية تحتية تكنولوجية لبرنامج نووي عسكري مستقبلي.
بالإضافة إلى ذلك، سيطلب الجانبان الآخران من "إسرائيل" بلا شك اتخاذ خطوات مهمة بشأن القضية الفلسطينية، وخلافاً لما ينشر أحيانا في "إسرائيل"، من غير المرجح أن تكون هذه الخطوات مقبولة لدى التحالف بتشكيلته الحالية.
منعطف تاريخي
إذا تم التوصل إلى صيغة مقبولة لواشنطن والرياض، فستواجه "إسرائيل" منعطفاً تاريخياً: فمن ناحية، سيكون من الممكن الاستفادة من التطبيع مع المملكة العربية السعودية لرفع مكانة "إسرائيل" الإقليمية والدولية، وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، وتخفيف الصراع الداخلي في "إسرائيل"، وتشكيل حكومة وحدة وطنية يمكنها الموافقة على الحزمة الفلسطينية المقدمة إلى "إسرائيل".
ولهذا الغرض، ستكون هناك حاجة إلى تغيير سياسي لاغتنام هذه الفرصة التاريخية، ووقف الأضرار التي سببها الانقلاب القضائي والبدء في إصلاح أضرارها.
بالإضافة إلى واجب "رئيس الوزراء" في ضمان مساهمة "إسرائيل" في الجهود الرامية إلى دفع الصفقة الثلاثية، يجب عليه أيضاً التأكد من أن شروط الصفقة تخدم "مصالح إسرائيل" ولا تعرض المصالح الحيوية لـ "إسرائيل" للخطر.
وهكذا، من أجل تمكين تحديث الأسلحة الأمريكية المنقولة إلى المملكة العربية السعودية مع الحفاظ على الميزة العسكرية النوعية لـ "إسرائيل"، يجب رفع مكانة "إسرائيل" إلى مكانة بريطانيا بحيث تحصل على إصدارات أسلحة متطورة لا يمكن الوصول إليها إلا من قبل أقرب شركاء أمريكا الأمنيين.
بالإضافة إلى ذلك، من المهم أن يكون "الموقف الإسرائيلي" هو أن البرنامج النووي المدني للمملكة العربية السعودية لا ينحرف عن "المعيار الذهبي" الذي لا يسمح بالتخصيب الذاتي، إذا لم تكن هذه العتبة ممكنة، فيجب مطالبة المملكة العربية السعودية بفرض نظام غير مسبوق من الإشراف والقيود لضمان عدم قدرتها على استغلال البنية التحتية المدنية لتطوير برنامج نووي عسكري دون القدرة على اكتشافه وإيقافه.
بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى التزام أمريكي بمنع سيناريو سباق تسلح نووي في المنطقة، نتيجة إنجاز المملكة العربية السعودية وبعد نجاح إيران في ترسيخ نفسها على العتبة النووية.
المصلحة الشخصية
على الجانب الآخر، سيكون أمام "نتنياهو" مرة أخرى خيار إعطاء الأولوية لنزاهة حكومته وإنقاذه الشخصي من محاكمته على حساب المصلحة الوطنية.
في مثل هذه الحالة، ستحتاج المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة إلى الإبداع حتى لا تفوتا الفرصة:
على سبيل المثال، سيتمكنان من الاتفاق على صفقة عملية، في مراحلها الأولية، لن تشمل "مكونات إسرائيلية"، ولكن أيضاً خطوات تتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي.
في الماضي، أعرب "نتنياهو" عن موافقته لألمانيا على بيع غواصات متطورة إلى مصر، وللولايات المتحدة على بيع طائرات مقاتلة من طراز F-35 للإماراتيين دون تحديث واستشارة المؤسسة الأمنية.
في الوضع الحالي، لا ينبغي لـ "رئيس الوزراء" الموافقة على تنازلات مصيرية ودراماتيكية لـ "الأمن القومي الإسرائيلي" دون عملية تشاور منظمة وشاملة مع المؤسسة الأمنية وصياغة رد مناسب على المخاطر الكبيرة الكامنة في هذه التنازلات.
في الختام، توصف واشنطن اتفاقاً ثلاثياً بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية و"إسرائيل" بأنه خطوة تاريخية من المتوقع أن تغير ميزان القوى في الشرق الأوسط، وتعيد تشكيله، وتربط المملكة العربية السعودية و"إسرائيل" بالمعسكر الاقتصادي والسياسي والأمني الناشئ الموالي للولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي هذا السياق، يتم التخطيط لمشاريع البنية التحتية الإقليمية على نطاق تاريخي بين الهند والخليج، وتدريب المملكة العربية السعودية داخل معسكر الدول الغربية، وتوسيع نطاق التطبيع بين "إسرائيل" ودول مهمة في العالم العربي والإسلامي، مثل إندونيسيا وعمان وغيرها.
هذه فرصة سياسية وأمنية واقتصادية هائلة لـ "إسرائيل"
ولم يتضح بعد ما إذا كان "الرئيس بايدن" وولي العهد السعودي سيتمكنان من التوصل إلى مثل هذه الصفقة قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية العام المقبل، ولكن إذا فعلوا ذلك، فيجب على كل "رئيس وزراء إسرائيلي" المشاركة في المبادرة والقيام بذلك بطريقة تخدم "المصالح الوطنية الإسرائيلية".
إن التاريخ لن يغفر لمن يضع في مثل هذا الوقت مصالحه الشخصية قبل المصالح الوطنية، أو يعرض أمن "إسرائيل" القومي للخطر من أجل تحقيق إنجاز يعرض أمن "إسرائيل" للخطر في مثل هذه القضايا الهامة، مثل ميزتها النوعية ونزع السلاح النووي في الشرق الأوسط.