متى يفشل الردع ؟.. حديث في الأصول
أولاً : توطئة
منذ بداية حرب "طوفان الأقصى" وما رافقها من حروب إسناد ودعم من قوى المقاومة الحية في هذه الأمة، بدءًا بالجبهة الشمالية في لبنان، فالعراق، وصولاً إلى اليمن؛ والذي ما زال جيشه الوطني يعلن، بالقول والفعل، استعداده للبقاء داعمًا مؤازرًا للشعب الفلسطيني ومقاومته التي تصنع المعجزات في غزة.
منذ ذلك اليوم الذي اجتاحت فيه قوى المقاومة خط الدفاع الأول للكيان المؤقت في غلاف غزة؛ تحطمت مصطلحات، وتلاشت مفاهيم، وأعيد (نحت) أخرى، فما عادت مثلاً مقولة "أن لا حرب بلا مصر ولا سلام بدون سوريا" قائمة!.
كما (نعفت) المقاومة (خرّافية) ردع العدو للمقاومة في غزة (نعفًا)، أما في لبنان ؛ فقد تكشف المشهد عن أن مقولة أن المقاومة اللبانية كانت رادعة للعدو أنها كانت غير دقيقة، وأنها بحاجة لضبط وإعادة تعريف!!
وهنا تحضرنا قاعدة ذهبية في مسار بناء القدرات ومراكمة الخبرات، مؤداها أن أفضل القدرات وأحسن الخبرات هي التي تُمكّن صاحبها من تحقيق أهدافه، وحماية مصالحه، دون الاضطرار لتشغيلها؛ كلها أو بعضها، أو الزج بها في أتون امتحان قد يكشف عدم صدقيتها.
كما تحضرنا قاعدة أخرى مرتبطة بأصل مبدأ الردع، تقول إن استخدام قدرات الردع يعني أنها لم تكن رادعة أصلا! وإلّا لما أضطر أصحابها لتشغيلها، ولأدت مهمتها، وحققت الهدف منها دون اللجوء إلى تفعيلها.
وهو ما يعني أيضًا أن قدرات الردع إن تم اللجوء لتشغيلها، فهذا يعني أن عملية الردع قد فشلت أصلاً ! الأمرـ فشل الردع ـ الذي ستحاول هذه المقالة البحث في الأسباب التي تقف خلفه، حيث سنقارب هذا العنوان الإشكالي من خلال عدة عناوين، تكون الإطار المفاهمي لهذا المصطلح، بعد أن يتم ضبطه وتحريره، ومن ثم التعرف على متطلبات بنائه.
لنختم بما يعتقد كاتب هذه السطور بأنها الأسباب التي تُفشل الردع، وتخرجه عن مساره.
ثم سنسأل سؤالاً إشكالياً، نترك الإجابة عنه لأهل الاختصاص، وحلقات النقاش التخصصي، كون الإجابة عليه مختلفًا فيها وعليها!!
يحضر في خلفية مشهد الردع، وكأرضية للحديث حول هذا المصطلح، أن من يملك قدرات أكبر، ووسائط قتال أحدث؛ بالضرورة قادر على ردع أعدائه؛ وهذا أمرٌ ـ امتلاك قدرات أفضل وأكثر ـ إن بدى في وجه من وجوهه صحيحًا؛ إلّا أنه لا يوصل إلى فهم حقيقي لمفهوم الردع، ومقتضياته ونتائجه، فضلاً عن تحقيق الهدف منه والغاية من محاولة إنشاء معادلاته، بدليل أن قوى عظمى إقليمية أو دولية لم تستطع أن تردع أعداء لها لا يملكون عُشر ما تملك هذه القوى من قدرات وإمكانيات، ولنا في أنصار الله في اليمن خير دليل على ذلك، فلم تردعهم ولم تمنعهم أمريكا وما تملكه من قدرات، وما تشغله في مواجهتهم من وسائط القتال والنار، عن البقاء، وحتى كتابة هذه السطور، في مقدمة مساندي المقاومة الفلسطينية بالأفعال العسكرية، والإجراءات التعبوية.
فضلاً عن أن معركة طوفان الأقصى التي خاضتها قوى المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023، حطمت أهم ركيزة من ركائز نظرية أمن الكيان المحتل لفلسطين ألا وهي الردع، فلو كانت قوى المقاومة مردوعة، ولو كانت قدرات العدو رادعة، لما كنا أمام معركة طوفان الأقصى أصلاً!!
ثانياً : ضبط المصطلح وتحريره:
وحيث أن الحكم على الشيء فرع من تصوره، وحسن تصوره نتاج عن حسن توصيفه وتعريفه، وحتى لا تذهب بنا الأمور مذاهب شتى، كان لا بد لنا ابتداء من أن نضبط هذا المصطلح، ونخرجه من حالة السيولة الناتجة عن عدم الفهم الدقيق له ولمقتضياته، لذلك سنلجأ إلى تعريف المصطلح وتحريره أولاً، فنقول إن: الردع في اللغة يعني: رَدَعً ، ورَدَعه رَدعاً ، أي زجره و كفه ومنعه . أما الردع اصطلاحاً فيعني: تلك المعادلة الميدانية التي يتم بناؤها ، والمسار الذي يطوى في بناء القوة ومراكمتها ، المفضي إلى بناء تصور لدى الطرف الآخر أن أكلاف ما يفكر به من اعتداء ، أكبر بكثير من جدوى ما سيقدم عليه من إجراء . ثالثاً: متطلبات الردع: قدرة قتالية مثبتة الأداء: لا بد ابتداءً من توفر قدرة قتالية مثبتة الأداء والفاعلية والكفاءة، من أجل تحقيق معادلة الردع مع العدو أو الجهة التي يراد ردعها، فالردع لا يتم بخطب منبرية أو مظاهرات بشرية، وإنما لا بد للجهة المردوعة أن يكون لديها قناعة راسخة أن الجهة الرادعة تملك من الأدوات والقدرات المادية والبشرية، ما يمكنها من استيعاب الاعتداء ومعاقبة المعتدي. صدقية الاستخدام: ولازمة امتلاك تلك القدرة ؛ امتلاك صدقية لدى الطرف المالك تجعل منه لا يلقي الكلام على عواهنه، فالكلام والتصريح هنا عليه (جمرك) ، فإن هدد باللجوء إلى القوة لوقف العدوان أو الرد عليه ؛ فهو يعني ما يقول ، ولديه من القدرة والتصميم والشجاعة والمشروعية ؛ الداخلية والخارجية ما يمكن معها من تحمل أكلاف ما يهدد به إن هو فعّل التهديد ، وفي تاريخه الماضي والحاضر ما يثبت تلك المصداقية . خطوط حمر: في هذا السياق لا بد للجهة التي تبني معادلة ردع مع عدوها من أن تبين ما هي خطوطها الحمر التي لا يُسمح بتجاوزها ، وما هي الأهداف التي لا يمكن أن يتم التنازل عنها ، تحت أي ظرف من الظروف. وهنا لا يجب أن يغيب عن بال الجهة التي تنشئ هذه المعادلة ــ معادلة الردع ــ أنها عندما تريد أن تحدد هذه الخطوط ؛ يجب أن تكون دقيقة ومحددة في عملها هذا ؛ فما كل ما تملكه الدولة من أهداف ومصالح يصلح أن يكون خطاً أحمراً لا يجب تجاوزه أو التنازل عنه، بل هناك أمور يمكن أن يناور بها ويستغنى عنها ، فكثرة الخطوط الحمر وتشعبها يعني أن لا شيء منها مهم. وسيلة تواصل وتبادل رسائل: وحتى لا تُفهم الأمور على غير ما هي عليه ، وحتى لا تُفسر المواقف بغير ما تحتمل ، لا بد من وجود وسائل تواصل يتم من خلالها تبادل الرسائل بشكل مباشر أو غير مباشر بين الرادع والمردوع ، فلا يقال أننا لم نعرف أن هذا كان خطاً أحمر ، رأيناه برتقالياً فتجاوزناه! وهنا يجب أن تحمل وسائل التواصل تلك الرسائل ما يجعل المردوع يرى قمة جبل جليد القدرة مثبتة الفاعلية فيخشاها، ولا يراها ـ القدرة ـ كلها فيتحوط لها. رابعاً: مسار بناء معادلة الردع: إن الوصول إلى معادلة ردع ، تمنع العدو من إخراج تهديده وتجاوزه إلى حيز التنفيذ ، يقتضي طي مجموعة من المراحل ، التي توصل في نهايتها إلى بناء معادلة ردع ، تحقق الأهداف ، وتحمي المصالح ، وتقلل من الخسائر ، ومن أهم هذه المراحل ما يمكن أن يختصر بالتالي : سلسلة من الاشتباكات والاحتكاكات الفعلية الحقيقية، بغض النظر أكانت مع الجهة المراد ردعها ، أو مع جهة ثانية ، تصل من خلالها رسائل محملة بمختلف أنواع الأثمان والأكلاف للاعتداءات . تدرج في تشغيل القدرات يرافقه غموض في الإفصاح عن كامل الإمكانات ، فلا تلجأ الجهة إلى الزج بكامل قدراتها، بكامل طاقتها، فتترك هامشاً من الغموض واللايقين لدى الطرف الآخر بما هو مستور من قدرات وأمور. مستوى إيلام عند العقاب يوصل رسائل ويفرض معادلات ، فإن تجرأ طرف على تجاوز خط أحمر ، لابد من أن يواجه بعقاب مؤلم ، وأن يكبد أكلافًا تجعله يوقف عدوانه ابتداءً، وعدم التفكير في تكراره انتهاءً. تحقيق معادلة رعب، فهي المعادلة التي تسبق الردع، فلا يمكن أن تردع طرفاً لا ترتعد فرائصه منك رعباً، فغير المرعوب، وغير الهائب المتخوف، لا يمكن أن يُردع أو أن يحسب حساباً لسلوكه أو تصرفه. تحقيق قواعد اشتباك تخدم أصل الهدف وهو الردع . إن معادلة الرعب تفضي إلى بناء وإقرار مجموعة من قواعد الإشتباك ، تحكم سلوك طرفي الخلاف ، على قاعدة أنه لا يمكن إلا وأن تحصل بين كلا المتخاصمين احتكاكات واشتباكات ، ولكن ما يضبت هذه الأفعال العدائية ، ويمنعها من الخروج عن السيطرة ؛ وجود مجموعة من الضوابط أو ما يعرف عند أهل الفن والـ ( كار ) بقواعد الاشتباك . اختبار صدقية الردع ، وهذا لا يتم إلّا من خلال الدخول في ( مغامرة ) محسوبة ، مدروسة بعناية ، تفرضها الظروف والمواقف ، ليُستدل من خلالها على مدى صدقية معادلة الردع ورسوخها . خامساً : متى يفشل الردع في أداء مهمته ؟ إن التدقيق في مصطلح الردع ومقتضياته ، يساعدنا في معرفة وفهم : متى ؟ وكيف ؟ ولماذا ؟ فشل ولم يحقق الهدف منه ، الأمر ـ فشل الردع ـ الذي قد تقف خلفه أسباب كثيرة ، من أهمها ما يأتي : عند الاضطرار إلى تشغيل القدرات خارج قواعد الاشتباك المتفق عليها ضمناً ، فالقدرات الردعية هي تلك القدرات التي تمنع المردوع من الإقدام على الاعتداء ابتداءً ، فإذا لم تمنعه ، فالردع فشل . عندما لا تتوفر واحدة أو أكثر من ضرورات وملزومات الردع ومقتضياته التي ذكرنها سابقاً . عند أخذ الطرف المردوع قراراً بتحمل التبعات ، وخوض المغامرات ، وقبوله بالأكلاف ، وخوضه التحدي . عندما لا يكون لدى الطرف المردوع ما يخشى عليه ؛ فظهره للحائط ، وما هو موضوع أمامه من خيارات لا يؤمن له احتياج ، ولا يحفظ له مصلحة . عندما يوضع المردوع أمام معادلة صراع صفرية ؛ فإما أن يكون أو لا يكون . عندما يكون هناك فرق شاسع في ميزان القدرات ، مع وجود شواهد على تصميم المالك على تشغيل ما يملك في حال التجاوز أو الاعتداء . عند عدم تلقي الرد المتوقع على التجاوز والتطاول والاعتداء الذي وقع ، وعندما تكسر معادلة الرعب ، حيث أن مثل هذا الموقف يجرّئ الطرف المردوع ، ويرسل له رسائل خاطئة ؛ تقوي من عزمه ، وتضاعف إرداته ، وصولاً إلى كسر معادلات الاشتباك ، والخروج من حالة السكون إلى حيز الفعل . الخلاصة : بعد الحديث عن الردع ؛ مفهوماً ومقتضيات ، لا بد من القول أن الردع يعني حالة سكون بين طرفين ، فالرادع هدفه أن لا يُتجاوز أو يُعتدى على مصالحه ، والمردوع يخشى العقوبة إن أساء الأدب ، فيتولد عن هذا الموقف ، حالة جمود ، وتساكن ، وعدم حركة ، تفضي إلى قتل الروح المعنوية والدافعية القتالية عند الجيوش والتشكيلات العسكرية ـ لذلك تكون المناورات والتدريبات والحركشات حتى لا (تموت ) المعنويات ـ . ولكن ما هو أسوء من هذا التساكن والجمود ، ما قلنا في بداية المقالة أننا سنطرحه كسؤال إشكالي في نهاية هذه الورقة وهو : هل يستقيم أن يقيم طرف محتلة أرضه ، منهوبة خيراته ، يعتدى على مصالحه ، هل يستقيم ان يقنع بمعادلة ردع بينه وبين عدوه ، تضمن للأول الهدوء ، ولا تعيد للثاني الحقوق ؟ سؤال نترك الإجابة عليه لأهل الاختصاص ، مع قناعتنا أنه لا يجب أن يرضى المُحتلة أرضه ، بأي معادلة تحمل في طياتها هدوء للعدو ؛ لا شكلأ ولا مضموناً، وهنا يكمن فن الفنون الحرب. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون عبد الله أمين