شبكة الهدهد أصدر رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو تحديثاً مصوّراً جديداً بعد ظهر 5 مايو 2025، في سياق تصعيد عسكري جديد على غزة، ووسط ضغوط داخلية متزايدة. هذا الخطاب ليس مجرد موقف إعلامي بل هو جزء من إدارة معقدة للمشهد السياسي والعسكري، يتجاوز الداخل الإسرائيلي ليطال الإقليم بأكمله. إليكم القراءة التحليلية الشاملة أولاً: طبيعة الخطاب وأسلوبه غياب الحوار الحقيقي نتنياهو اختار مرة أخرى إصدار فيديو مصوّر، متجنباً أي مؤتمر صحفي أو مواجهة مع الإعلام، ما يعكس هروبه المتواصل من المساءلة. أسلوب دفاعي هجومي رغم تبنيه للقرارات، ألقى جزءاً كبيراً من مسؤولية التصعيد على هيئة الأركان، كمناورة لامتصاص أي تبعات سياسية لاحقة في مواجهة الرأي العام الداخلي. ثانياً: الحرب النفسية خطاب “الحسم الزائف” الخطاب جزء من حملة نفسية تحاول تعويض الإخفاقات الميدانية والسياسية عبر: الترويج لـ”غزو واسع ونهائي”، لإيهام الجمهور الإسرائيلي بأن النصر الحاسم بات قريباً وارهاب الفلسطينيين باحتلال دائم، علما ان الذي يريد تنفيذ خطة عملياتية ميدانية لا يكشف عن تفاصيلها الا إذا كانت لها مأرب اخرى.   ربط المعركة بتحرير الرهائن رغم أن المعطيات الأمنية تؤكد عدم تحقيق تقدم فعلي في هذا الملف في كل المناورات التي تنفذها الجيش سابقا. إلقاء المسؤولية على الجيش لتخفيف الضغط عن الحكومة وتحويله نحو المؤسسة العسكرية وتقديم نتنياهو كمنفّذ لا صاحب قرار. الهدف: ترميم صورة القيادة وضرب معنويات العدو(المقاومة) وطمس مشاعر الإحباط من إدارة الحرب والتضليل الممارس في الجبهة الداخلية. ثالثاً: العجز عن تحقيق أهداف الحرب نتنياهو يُقرّ ضمنياً بفشل المرحلة السابقة عبر وعوده “بعدم الدخول والخروج مرة أخرى” من غزة، ويطرح “استراتيجية جديدة” تعكس: فشل القضاء على "حماس". عجز عن استعادة (الأسرى الإسرائيليين). عدم القدرة على فرض نموذج أمني دائم في القطاع. التحول نحو عملية عسكرية كبيرة طويلة واحتلال جزئي لبعض المناطق خاصة رفح هو اعتراف بتراجع الخيارات العسكرية الفعالة. رابعاً: لجنة التحقيق المؤجّلة – هروب قانوني   رفضه تشكيل لجنة تحقيق حكومية حالياً بذريعة “عدم إضعاف الجنود” هو تكتيك واضح لتأجيل المحاسبة. نتنياهو يقترح لاحقاً “لجنة خاصة” يعينها بنفسه أو عبر تسوية سياسية، في محاولة لتجنب لجنة قضائية مستقلة قد تُنهي مستقبله السياسي. خامساً: الفشل أمام جبهات أخرى – اليمن نموذجاً رغم ما يُبث عن قوة الردع الإسرائيلية، تواصل صواريخ أنصار الله الوصول إلى العمق الفلسطيني المحتل دون رد فعّال صمت نتنياهو عن هذه الجبهة في خطابه يعبّر عن مأزق حقيقي، لا يريد الاعتراف بعجزه أمام قوة غير نظامية، تهاجمه من مسافة آلاف الكيلومترات. الهجوم على موانئ اليمن مجرد محاولة رمزية لحفظ ماء الوجه، لكنه لا يغيّر واقع الإحراج العسكري والإعلامي. سادساً: توظيف زيارة ترامب المحتملة: رهانات نتنياهو الأخيرة محاولة إعادة تصدير نتنياهو كـ قائد العالم الحر بعد قرار محكمة الجنايات الدولية في مواجهة ما يصوره على أنه إرهاب تمثّله حماس وأنصار الله في محاولة لإحياء صورته القيادية لدى اليمين الإسرائيلي والدوائر الأميركية الجمهورية بعد اهتزازها في ظل فشله المتراكم على الأرض. تحويل الضغط الأميركي بدلا من أن يكون الضغط موجهًا نحو حكومته بسبب الإخفاقات في الحرب وتدهور الوضع الإنساني في غزة دون نتيجة سياسية، يسعى نتنياهو إلى توجيه هذا الضغط نحو المقاومة وتوظيف الغطاء الأميركي لفرض صفقة جزئية لا ترتقي لمستوى “الصفقة الشاملة” التي تصر عليها المقاومة. محاصرة الخطاب الفلسطيني الزيارة الأميركية المحتملة تُستثمر لمحاولة إحراج خطاب المقاومة، عبر تصويره كمعطّل لمسار سياسي مدعوم أميركياً ما يسمح للكيان بتسويق نفسها كطرف مرن مقابل تعنت المقاومة. تجنيد الثقل الأميركي داخلياً في ظل انسداد سياسي عميق داخل الكيان وشلل المؤسسة السياسية نتيجة انقسام حاد مع التيار القومي والديني المتطرف يحاول نتنياهو استخدام صورة “ترامب الداعم” لكسر الجمود وتحريك الائتلاف الحاكم وحتى استباق أي دعوات مبكرة لإقالته أو فتح ملفات التحقيق ضده. زيادة الضغط على الوسيط القطري يستهدف نتنياهو تجنيد الغطاء الأميركي للضغط على قطر بوصفها الراعي الأبرز للمفاوضات مع حركة حماس. الهدف هو دفعها إلى القبول بمقترحات أميركية-إسرائيلية جزئية بدلا من استمرارها في دعم صيغة شاملة تحقق للمقاومة مكاسب حقيقية سابعاً: رسالة للجمهور الإسرائيلي واستعداد لمعركة استنزاف تكرار العبارات التعبوية مثل “لن نتخلى عن أحد” و”لم ننته بعد” هدفها ترميم الثقة المهتزة داخلياً. الإشارة إلى تجنيد الاحتياط والبقاء داخل القطاع تعني أن الكيان مقبل على معركة طويلة ومكلفة.. الخلاصة: خطاب نتنياهو في ظاهره حاسم، لكن في جوهره مأزوم. هو: محاولة لفرض سردية الانتصار عبر القوة الخشنة بعد فشل استراتيجيات الحرب السابقة. تكتيك للهروب من المساءلة القانونية والسياسية عبر توزيع المسؤولية وتحويل بوصلة النقاش. مناورة لاستعادة صورة سيد الأمن أمام جمهور داخلي غاضب وتحالفات خارجية آخذة بالاهتزاز. لكن الواقع الميداني ونجاحات المقاومة في غزة واليمن، وانكشاف العجز الإسرائيلي عن انتزاع مواقف تشكل له مخارجاً سياسياً تجعل من هذا الخطاب رغم صوته العالي صدى لفشل مؤجلة قادم.