ترجمة الهدهد

الرائد "دور شنايدرمان" ضابط مقاتل في سلاح الدفاع الجوي "في جيش العدو" شغل منصب قائد بطارية "باتريوت"

في 14 أيلول/سبتمبر 2019 هاجمت إيران منشآت شركة النفط الوطنية السعودية بصواريخ موجهة وطائرات بدون طيار ما تسبب في أضرار مادية واسعة النطاق، والأهم من ذلك كله أضرار في الوعي، أدى هذا الحدث إلى زيادة الوعي والأهمية الكبيرة التي يوليها نظام الدفاع الجوي لحماية منشآت الدولة الاستراتيجية ضد الهجمات الأجنبية "نظام باتريوت كمثال" فهو اليوم يعتمد في غالبيته العظمى على "الإنتاج الإسرائيلي" المتقدم من خلال أنظمة متعددة المهام مثل "نظام القبة الحديدية" و"نظام مقلاع داود" و"نظام حيتس" وبالتالي، بالإضافة إلى المساهمة في التطوير المحلي والشعور "بالفخر الإسرائيلي" يضيف الإنتاج المحلي ميزة التكيف والملائمة الفريدة مع المهام المخصصة والتهديدات التي تواجه "إسرائيل".

بعد فهم التغييرات التي حدثت في دول المواجهة في مختلف الدوائر، شهد مفهوم الدفاع الجوي في "الجيش الإسرائيلي" ثورة حقيقية، حيث أدى الإدراك بأنه لا يمكن الاكتفاء بتشغيل الطائرات أو المناورة البرية للقضاء على التهديد وأنه يلزم حماية مباشرة لمنع الاضرار إلى التحول إلى استخدام الذخيرة الحركية كاستراتيجية، وفي السنوات الأخيرة تم التركيز على الذخيرة الحركية الدقيقة والتي استخدامها له آثار عملياتية فورية في جوانب حماية البنية التحتية الحيوية.

ومن المهم أن نفهم أنه عندما يتعلق الأمر بالدفاع فليس من الممكن الوصول إلى حماية 100%، لذلك فإن "الجيش الإسرائيلي" مطالب بتطوير استخدام وسائل مختلفة من بينها طبقات الدفاع التي أنشأها نظام الدفاع الجوي لخلق دمج مثالي بين الوحدات القتالية التي ستستخدم في القتال وسائل عديدة لتحييد وسائل العدو الهجومية التي قد تلحق الأذى "بإسرائيل".

في هذا المقال أعتزم تقديم وشرح المعاني المخصصة والفريدة لنظام الدفاع الجوي الذي أصبح في السنوات الأخيرة أداة دفاعية قوية ذات أهمية استراتيجية وطنية في "الجيش الإسرائيلي" لغرض حماية البنية التحتية والمرافق المهمة في الدولة، ولأجل ذلك سأستعرض تطور أنظمة دفاع العدو وتأثيراتها المحتملة على المنظومة الأمنية والاقتصاد "الإسرائيلي" بأكمله، وسأرسم خارطة التهديدات والصعوبات التي قد تثقل على ساحة الدفاع الجوي أثناء الروتين والحرب و(المعركة التي بين الحروب).

[caption id="attachment_43784" align="aligncenter" width="1021"] استهداف منشآت إنتاج النفط في حقل خوريص التابع لشركة النفط السعودية الأمريكية أرامكو ، 14 سبتمبر 2019.[/caption]

ماذا يعنى تضرر المنشآت الإستراتيجية؟

تعتبر المرافق الاقتصادية والمصانع الحيوية جوهراً حيوياً ومهماً جداً في أداء الاقتصاد والإمداد المستمر بالخدمات والمنتجات اللازمة لاستمرار روتين الحياة الطبيعي اليومي، ولضمان الأداء السليم لجميع البنية التحتية الحيوية وأنظمة الأمن التي تضمن سلامة مواطني الدولة.

وفي حالات الطوارئ هناك حاجة متزايدة لتوفير الأساسيات الوجودية للسكان المدنيين وضمان توفير الخدمات الأساسية لاستمرارية عمل الاقتصاد وفقاً للمبدأ التوجيهي للاستمرارية الوظيفية، وكل هذا من خلال منع إلحاق الضرر بالمصانع الأساسية، وتشمل الخدمات الأساسية للحفاظ على الاستمرارية الوظيفية (الإمداد بالغذاء والمياه) (بما في ذلك ما يتطلب من معالجة المياه) والأدوية وإمدادات الكهرباء والتي تشمل من بين أمور أخرى، (التشغيل المستمر لمنشآت شركة الكهرباء ومنشآت هيئة الغاز المستخدمة لتوليد الكهرباء) وتوفير خدمات الصحة والصرف الصحي، واستمرار عمل خدمات الاتصالات وتوريد المواد الخام للصناعة، والاستمرار في تشغيل منظومات الإنتاج والتصدير الضروري للحفاظ على اقتصاد مستقر، وتوفير الحلول والخدمات للسلطات المحلية بما في ذلك رعاية السكان في مناطقهم وأكثر من ذلك، هذا كله سيتضرر إذا ما أصابت الهجمات المصانع الأساسية التي تنتج الغاز والماء والكهرباء وغيرها للبلاد.

في أسوأ السيناريوهات وأثناء الحرب تدرس السلطات المحلية والدولة الوضع مقابل النتيجة النهائية المحتملة:

  • ماذا سيحدث إذا كان هناك ضرر مباشر لمصنع أساسي؟
  • وكيف سيؤثر الضرر على "الاقتصاد الإسرائيلي" واستمرار روتين الحياة الطبيعية؟

ولكي أثبت أهمية أنظمة الدفاع الجوي في حماية المرافق سأركز على ثلاثة مكونات أساسية إصابتها بأضرار قد يؤدي إلى ضرر حقيقي "لإسرائيل" واستمرار ادائها وظائفها كدولة وهما.

الماء والكهرباء والغاز

تعتمد نسبة كبيرة من إنتاج الكهرباء في "دولة إسرائيل" على الغاز الطبيعي، ماذا يحدث إذا ما أصيبت منشآت الغاز إصابة مباشرة من صاروخ أو طائرة بدون طيار؟ ماذا سيحدث لو أصيب خط أنابيب الغاز الرئيسي المغذي للمنشآت والذي يحتاز دولة إسرائيل إصابة مباشرة؟

يبدو أن الضرر المباشر لتلك المرافق سيؤدي إلى عدد كبير من المشاكل، بداية من تضرر استمرارية أداء وعمل الدولة، وتضرر روتين الحياة الطبيعية إلى ما هو أسوأ من ذلك وهو وقوع إصابات في الأرواح مع تبعات طويلة المدى.

إنه ضرر صعب الإصلاح، والعودة منه إلى الروتين ستغير ما هو مألوف لدينا حتى الآن وتتطلب منا قوة وحصانة لم نشهد لها مثيلاً من قبل، بل هذا ما تم الاتفاق عليه في تقرير مراقب الدولة الوارد في وثيقة سميت بـــ "التحضير للدفاع عن المرافق الأساسية من الصواريخ والقذائف الصاروخية والتهديدات الجوية الأخرى. وقد جاء في الوثيقة ما يلي: "إن تحقق التهديدات الجوية على البنية التحتية والمرافق الحيوية يمكن أن يقوض الحصانة القومية للدولة ونحن نشهد زيادة في كمية الوسائل التي يمتلكها العدو، وبناءً على ذلك قد تكون الضربة القادمة أشد مما كانت عليه في الماضي".

بل جاء ذلك أيضاً في وثيقة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي حول أمن شبكة الكهرباء في "إسرائيل"، حيث كُتب أن هجوما صاروخيا مكثف ودقيق على مرافق إنتاج وتحميل وتوصيل الكهرباء لا يؤدي بالضرورة إلى انقطاع مستمر في إمدادات الطاقة، وحتى ولو كان يجب أخذ هذا الخيار على أنه مخاطرة كبيرة تتطلب الاهتمام. فيما قال اللواء (احتياط) "غيورا ايلاند" الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي "أن هناك سيناريو بموجبه يمكن لضربة صاروخية على محطة توليد الكهرباء في الخضيرة أن تترك "إسرائيل" بدون كهرباء لمدة تصل إلى ستة أشهر، وإذا كان الأمر كذلك فنحن مطالبون بالنظر إلى الحرب القادمة وعواقبها ولكن من زاوية مختلفة قليلاً.

حتى لو انتصر "الجيش الإسرائيلي" في الحرب القادمة على جبهة القتال وهزمنا عدونا ووجدنا الجبهة الداخلية غارقة في الظلام، سيكون من الصعب الشعور بالنصر، لأنه بالإضافة إلى القتلى والجرحى الذين سيسقطون سنعود إلى مكان بلا إضاءة في البيوت ولا كهرباء في المستشفيات ولا في المصانع الحيوية ولا في المؤسسات العامة وما شابه، وهذا يعني أن إعادة إعمار المصانع الحيوية قد يستغرق شهوراً، وأن العودة إلى الروتين ستكون أكثر تعقيداً. 

التهديدات والتعامل معها من قبل نظام الدفاع الجوي

يتسم الوضع الأمني "لدولة إسرائيل" باستمرار عدم الاستقرار في ظل الأوضاع في دول الجوار، ونشأ بداية الربيع العربي في عام 2010 واقعاً من عدم استقرار في أنظمة الحكم وتعاظم قوة المنظمات الإرهابية في الدول من حولنا.

ويرافق هذا الواقع توتراً إقليمياً بحيث يمكن لحدث واحد أن يتحول بسرعة إلى مواجهة واسعة، فعند فحص التهديدات التي يواجهها نظام الدفاع الجوي من المهم الانتباه إلى عدة نقاط، منها تعاظم كثافة إطلاق الصواريخ على "الأراضي الإسرائيلية" بعد حرب لبنان الثانية والعديد من العمليات التي جرت على مر السنين (منها الرصاص المصبوب، وعامود السحاب، والجرف الصامد).

إن التهديدات الجوية الأخرى التي واجهتها قوات الدفاع الجوي في عام 2014 خلال عملية "الجرف الصامد" أصبحت جدية عندما تم فرض تهديد على السكان والمرافق الحيوية على شكل طائرات بدون طيار تابعة لحماس أقلعت من قطاع غزة، واعتراض طائرات مقاتلة مختلفة على الحدود السورية بين عام 2016 2019، فالعديد من المنشآت الإستراتيجية حالياً معرضة للضرر من مجموعة متنوعة من العوامل منها الصواريخ والطائرات، والطائرات بدون طيار والحوامات وأي نشاط إرهابي مركز من الجو والبحر والبر، ويشارك سلاح الدفاع الجوي اليوم في حماية المنشآت الحيوية.

تصاعد التهديد على المنشآت وخطر تعرض مواطني الدولة للإصابات المباشرة زاد بعد الهجمات الإرهابية على البرجين التوأمين في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2011، ما زاد من اليقظة في ظل "الإرهاب الجوي"، وهو ما يعني تهديدات غير متوقعة حتى في الأماكن التي تبدو الأكثر حماية في العالم.

في بلد مثل "إسرائيل" هناك تهديدات متعددة الجبهات وغير متوقعة، ينبع ذلك من موقع الدولة وجيرانها بداية من دول السلام (مصر والأردن) إلى دول الصراع (سوريا ولبنان وإيران) ووصولاً إلى المنظمات الإرهابية التي كل هدفها هو الحاق الضرر المباشر بالدولة، فيما تبذل "دولة إسرائيل" جهوداً كبيرة للتعامل مع التهديدات، بل وتعمل على إحباط العديد منها من خلال معلومات استخباراتية مبكرة ومركزة.

إن الإدراك بأن التهديد وجودي ولا يمكن التنبؤ به بل وأنه حقيقي، شاهدناه في الهجوم على منشآت إنتاج النفط في حقلي "بقيق وخريص" التابعين لشركة النفط العربية الأمريكية "أرامكو" في المملكة العربية السعودية في 14 سبتمبر 2019 الساعة 00:4 صباحاً، حيث أدت الانفجارات في المنشآت إلى شلل دراماتيكي وانخفاض كبير في إنتاج النفط السعودي على المدى الفوري، وفور الهجوم أعلن الحوثيون في اليمن مسؤوليتهم عن الهجوم زاعمين أنه تم تنفيذه بعشر طائرات مسيرة.

ووفقاً لهم كان الهدف من الهجوم هو تدمير منشآت إنتاج النفط، وكانوا ينوون مهاجمة أهداف سعودية أخرى، ووفقا للجنرال "آهارون حليفا" فإن التهديد الاستراتيجي هو قدرة العدو على مهاجمة الممتلكات الحيوية والبنية التحتية التي ستؤثر على عمل من تم تهديدهم في الوقت المناسب.

وفيما يلي أمثلة على التهديدات الجوية التي يتعين على "الجيش الإسرائيلي" التعامل معها من خلال الدفاع الجوي في سياقات الوسائل التي يمكن أن تضر بطريقة مباشرة بالمصانع الحيوية وفرض تهديد استراتيجي: إطلاق نيران متعرجة المسار (صواريخ محلية الصنع) صواريخ دقيقة، صواريخ موجهة، قذائف صاروخية، طائرات بدون طيار، طائرات مقاتلة، مروحيات، حوامات.

أما التهديد في تقرير مراقب الدولة بخصوص التهديدات الجوية والتهديدات الصاروخية فقد وصف على هذا النحو:

التهديد: تتعرض "دولة إسرائيل" لتهديد خطير وواسع النطاق من قبل صواريخ أرض وصواريخ موجهة، وقذائف صاروخية أرض - أرض وقذائف الهاون والمزيد.

يتزايد عدد صواريخ الأرض أرض والقذائف الصاروخية "أرض أرض" التي في حوزة الأعداء بشكل مستمر ودائم، بالإضافة إلى زيادة شدة التهديد، لا سيما أنه طرأ هناك تحسن ملحوظ في دقتها وقدرتها على إحداث الضرر، وهذا يزيد بشكل كبير من خطر إلحاق الضرر بالبنية التحتية الوطنية.

 التهديدات الرئيسية على نظام الدفاع الجوي:

  1. الصواريخ والقذائف بكميات ضخمة كأسلحة كمية، ومن المهم أن نفهم أن الكمية يمكن أن تؤثر أيضاً على جودة الأداء، وبالتالي فإن إطلاق الصواريخ المكثفة على نطاق واسع يمكن أن يؤدي إلى أضرار نوعية في "دولة إسرائيل".
  2. ذخيرة دقيقة يبدو أنها زادت بشكل كبير في السنوات الأخيرة لدى دول المواجهة.
  3. صواريخ باليستية بمديات مختلفة، ففي السنوات الأخيرة شهدنا زيادة في مدى النيران، سواء من الجبهة الجنوبية أو من الجبهة الشمالية.
  4. القدرة على الإطلاق من عدة أماكن مخفية تجاه الهدف ما يجعل الأمر صعباً على الكشف والرد، ونتيجة لذلك، ينتقل الإحباط إلى ساحة وسائل اعتراض الدفاع الجوي.

هكذا افتتح القائد السابق لسلاح الدفاع الجوي العميد احتياط "شاحر شوحط" مقالته عن تعامل سلاح الدفاع الجوي مع التهديدات الناشئة والرد عليها حيث كتب: "عندما تتزايد وتيرة ظهور التهديدات الجديدة يتعين على مطوري ومشغلي أنظمة الدفاع الجوي التطلع إلى الأمام وتحقيق حلول سريعة".

تشير الدروس المستفادة من العقود القليلة الماضية إلى أن اندلاع حرب إقليمية في وقت لم يتم فيه بعد ِإيجاد حلاً للتهديدات الجديدة ستنتهي بشكل مؤلم، وأحياناً حتى على المستوى الاستراتيجي.

الرد الدفاعي - الجهوزية المفاهيم والعملياتية

 

لماذا الدفاع؟ "جيش الدفاع الإسرائيلي"، هكذا تقرر تسمية جيش الدولة الفتية من منطلق مفهوم أمني كامل للدفاع عن الدولة.

في ضوء الوضع الأمني، نحن مطالبون بأن نكون مستعدين لأي سيناريو حتى نتمكن من الانتقال على الفور "من صفر إلى 100"، وهذا يتطلب منا أن نكون مستعدين للرد الدفاعي الأمثل، إن أحد التهديدات التي تتطلب الاستنفار واليقظة المستمرة هو الإرهاب الجوي الذي لا يمكن التنبؤ به، ومقيد بزمن وغير مؤكد، فعدم الاستقرار والتغيرات في ساحات القتال يتطلب منا أن نتعلم من الماضي، ولا نتكئ عليه وألا نكون ثابتين عليه.

إن تنمية الفضول ودراسة الواقع المتغير باستمرار هما مفتاح النجاح، خاصة في سلاح الجو الذي يتميز بقدرة عالية على إجراء التحقيقات واستخلاص الدروس كأساس لتحسين القدرات وتعزيز الأسس، فالوعي الذي نشأ لدى العدو والذي يرى من خلاله أن خط الدفاع في "دولة إسرائيل" قوي وأن الوسائل التي يعتمد عليها "الجيش الإسرائيلي" حديثة وثبت أنها تتمتع بقدرات عالية، هو من يمنح مسؤولي الحكم تفوقاً إستراتيجياً كبيراً عندما يتعلق الأمر بمواصلة اتخاذ القرارات والقتال، وحتى الشروع في عمليات معقدة تعتمد على قرار حول أسلوب الدفاع.

إن جانب الوعي مهم بشكل خاص لدولة مثل "إسرائيل" أمام دول المواجهة، ومن المهم أن نكون نحن أولئك الذين يقررون أين المكان الذي يمكن فيه اختراق خط الدفاع.

ينقسم الفهم في الدفاع إلى ثلاث مراحل وهي: الفهم والعقيدة والهدف:

  • الفهم: هو أساس العمل التنظيمي الذي يحدد الهدف من العمل.
  • العقيدة: هي الطريقة التي يتم بها تحقيق الهدف من خلال الفهم، فالعقيدة التنظيمية تُكمل الإجراءات والخطط والتعليمات المحددة التي توصف بـــ "العقيدة القتالية"، وتفصل قدر المطلوب طرق تطبيق المبادئ والقواعد المحددة في العقيدة.
  • الهدف: فالهدف من نظام الدفاع الجوي هو ضمان حماية الفضاء المدني من أجل تمكين السكان من العيش بشكل طبيعي ومعقول، والحفاظ على الاستمرارية الوظيفية للدولة، وتطبيق هذا ممكن من خلال الحماية متعددة الطبقات التي أنشأتها أنظمة الدفاع الموجودة في سلاح الدفاع الجوي.

من المهم الانتباه إلى الفجوة بين ما يحدث في سلاح الدفاع الجوي وبين نظرة المواطنين له، فإحدى تعابيره هي الطريقة التي "تُترجم" بها الأحداث إلى اللغة المدنية، وعندما يعلن مذيع الأخبار أن "القبة الحديدية قد اعترضت" صواريخ – هل يفهم المشاهدون أن خلف هذا النظام يوجد جنود شباب يعملون 7/24 لحمايتهم؟

بعد كل شيء، إنها ليست "القبة حديدية من قامت بالاعتراض، "إنهم جنود القبة الحديدية الذين نفذوا عملية الاعتراض"، وعندما تعلن الإذاعة أن طائرة سورية دخلت "الأجواء الإسرائيلية" وأسقطت في هضبة الجولان - أيضاً ليست "بطارية باتريوت" هي التي من اعترض الطائرة، حتى لو كان التقرير تحدث هكذا هل يبقى المستمعون مع الكلمات كما هي أم يفهمون أن مقاتلي بطارية الباتريوت في شمال البلاد هم المسؤولون عن عملية اعتراض التهديد والقضاء عليه؟

كيف وصلنا إلى وضع أنهم عندما يطلقون علينا أربعة صواريخ في اللحظة نفسها في يوم جمعة اعتيادي وتدوي صفارات الإنذار ويعترض مقاتلو القبة الحديدية ثلاثة من الأربعة صواريخ ويواصلون جميعهم بعد روتين حياتهم اليومية كالعادة؟ ربما اعتدنا على ذلك؟ هل الأمر كله يتعلق بالفهم؟

تعتمد نتيجة الحرب إلى حد ما على درجة الاستعداد لها، ويبدو أن الحرب القادمة ستكون أكثر صعوبة وأكثر حدة من ذي قبل، وستترك جرحى وقتلى بأعداد لم نشهدها بعد، فالجوانب الجوية ستكون أكثر دقة، وستتطلب أولوية للنيران، وسيُطلب من المقاتلين والضباط وجميع الشركاء في المهمة فهم ما هو مجال مسؤوليتهم وما هي صلاحياتهم.

في نظرة واسعة نحن نتعلم أن التأكيد للمقاتل على أهمية جوهر المهمة، هو في النهاية أمر ضروري لنجاح المهمة، إن الشعور بالرسالة والأهمية والدفاع عن البيت والدولة هو مصدر قوة، حيث يقاتل الجندي ليس لأنه يكره من أمامه، ولكن لأنه يحب من يقف خلفه، هكذا يجب أن يكون الفهم لدى الجنود والفنيين وضباط الصف والضباط الذين يقودون المهمة.

إن اتخاذ القرارات في الحرب أمر ضروري، سواء على مستوى السيطرة الجوية أو على مستوى الجندي الجالس أمام الشاشة في قاطرة الاعتراض، والمطلوب منه اتخاذ قرارات من شأنها أن تؤثر بشكل حاسم على استمرار القتال ونتائج الحرب.

وهنا علينا أن نسأل - ما هو الشيء الذي يجب الدفاع عنه أولاً؟ "رمات دافيد" أم الجبهة الداخلية؟ جبل الشيخ أم القدس أم منطقة غوش دان؟ عن مطار بن غوريون أم عن منشآت البنية التحتية؟

إن القرار الأول للخروج إلى العملية خاص بصناع القرار، لكن في حالة الرشقة الصاروخية المفاجئة، عندما يتم إطلاق الصواريخ دون معلومات استخبارية مسبقة، في الوقت الذي يكون فيه عدد الصواريخ في البطاريات محدود وهناك إطلاق مكثف من عدة مجموعات صواريخ، بعضها نحو المناطق المأهولة بالسكان، وبعضها نحو مناطق الدفاع، بينها أيضاً المرافق الاستراتيجية، سيُطلب من المقاتلين والقادة والضباط بعد ذلك اتخاذ القرار من خلال نظرة واسعة لفهم المهمة، وفي وقت قصير وتحت الضغط.

ولاتخاذ القرار الصحيح يجب فهم أن القرار الخاطئ وغير المهني يمكن أن يؤدي إلى تغيير في استراتيجيات القتال المستمر، والإضرار باقتصاد الدولة وحتى حياة الناس، لذلك يجب النظر في كل حالة حسب خصائصها وملاءمة الوسائل للظروف، وهكذا، حتى لو كان الهدف هو تدمير العدو أو منع تهريب الأسلحة فإن "إسرائيل" لا تريد أن تدفع ثمن ذلك حربا، وبالتالي من المهم أيضاً تطبيق مفهوم (المعركة بين الحروب) والاستراتيجية التي تحركها.

تغييرات في مفهوم الأمن مع التركيز على الدفاع

 

في عام 1953، خرج "دافيد بن غوريون" إلى إجازة استمرت عدة أسابيع من أجل تحليل "الوضع الإسرائيلي" بعمق وكانت نتيجة هذه الإجازة وثيقته لمفهوم الأمن، حيث لا يصف "بن غوريون" فيها التهديدات التي تواجه "إسرائيل" فحسب، بل يصف أيضاً الفرص التي قد تحيد هذه التهديدات.

وكان هدفه الرئيسي منها وضع خطة لإدارة المخاطر لكل شي، فمفهوم الأمن في الوثيقة يقوم على "المثلث الأمني" الذي يتكون من ثلاثة مبادئ أساسية: (الردع، والإنذار، والحسم).

اثنان من هذه المبادئ، الردع والإنذار هي جزء من عقيدة نظام الدفاع الجوي اليوم:

  • الردع: ينشأ من حقيقة وجود سلاح الدفاع الجوي ويستند إلى حقيقة أن العدو يعرف بوجود أنظمة أسلحتنا، وأنه واجهها عدة مرات ويدرك قدراتها جيداً، على سبيل المثال فإن مجرد معرفة موقع إحدى بطاريات الدفاع يخلق رادعاً.
  • الإنذار: يتيح مركز إدارة الصور الباليستية إنشاء صورة للمكان الذي يتم إطلاق الصواريخ منه والمكان الذي من المحتمل أن تسقط فيه، وبناءً عليه يتم تفعيل نظام إنذار في تلك المناطق ضد التهديدات ويتم تشغيل صفارات الإنذار.

في السنوات الأخيرة تغير مفهوم الجيش للأمن بشكل طفيف ولاءم نفسه مع البيئة والتهديد وطبيعة القتال والتحديات الجديدة، وخاصة إدراك أن هناك اليوم فيه طبقة جديدة، هذه الطبقة تغير الإدراك من المفهوم "الثلاثي" إلى المفهوم "الرباعي" وتُدخل إليه مفهوم رابع وهو الدفاع أو الاحتماء.

هذا المفهوم يتحدث مباشرة عن سلاح الدفاع الجوي الذي مهمته هي الدفاع ضد التهديدات الجوية والتركيز عليها، وزاد هذا المفهوم من أهمية سلاح الدفاع الجوي باعتباره "خط الدفاع الأول" وأحياناً أيضاً "كخط الدفاع الأخير".

لذلك في ضوء كل ما قيل واعترافاً بأهميته، من المهم أن تواصل "دولة إسرائيل" الاستثمار في أنظمة الدفاع وتطويرها، وهنا يدخل سلاح الدفاع الجوي أيضاً في الجانب أو المفهوم الثالث "الحسم".

لقد تم تجهيز سلاح الدفاع الجوي في "الجيش الإسرائيلي" بأفضل الأنظمة وأكثرها تقدماً في العالم، تعمل بعض أنظمة الأسلحة مثل "باتريوت" كعنصر أساسي في إعداد الطيارين للمهام الهجومية في التدريبات المشتركة، والدولة تنجز الحسم بفضل الدفاع الجوي الذي يسمح لصناع القرار والقوات الجوية القيام بعملهم.

في هذا السياق السؤال الذي يطرح نفسه هو، هل يمكن الوصول إلى الحسم من خلال الدفاع؟

وإذا كان الأمر كذلك، كيف يمكن أن يؤثر هذا الافتراض على مفهوم صناع القرار في الحرب القادمة؟ 

ماذا بعد؟ رؤى وتوصيات

كما تبين من الأمور، لكي يقدم الدفاع الجوي الاستجابة المثلى، بما في ذلك حماية المرافق الاستراتيجية، هناك مجال لتغيير الطريقة في التدريبات والتصورات أو المفاهيم، وكذلك التركيز على تحسين القدرات، من المهم إعطاء المساحة المناسبة لتنمية الوعي في كل ما يتعلق بعمل الدفاع الجوي والموارد البشرية التي تزيد من قوته.

من خلال هذا الفهم يجب الافتراض أن فهم التهديد ومعنى الضرر الذي يلحقه بالجبهة الداخلية والمرافق الاستراتيجية هو ما سيوفر الأساس الأولي لتحسين القدرات وشحذ اليقظة المطلوبة لأداء المهمة بأفضل طريقة، كيف يمكن القيام بذلك عملياً؟

 إليكم بعض الاقتراحات:

  1. بناء مجموعة من الدروس التمهيدية: التعرف على المرافق الاستراتيجية بجميع أنوعها، وفهم أهمية كل مصنع أساسي (مثل مرافق الغاز والمياه والكهرباء والوقود) لسكان الدولة وللدولة نفسها، فالأساس هو توضيح معنى الضرر وتأثيره على الحياة اليومية والاستمرارية الوظيفية للدولة، ومن المهم الإشارة الى أن بعض المنشآت من بينها مواقع إنتاج الكهرباء والغاز الطبيعي لا يوجد لدينا فائض.
  2. توضيح الفهم فيما يتعلق بوعي العدو: في ضوء الاعتراف بأن العدو قد حسن من قدراته في مجال الدقة الصاروخية بجميع أنواعها، وبأنه يدرك أهمية الضرر الذي يلحق بالمنشآت الاستراتيجية وأن احتمالية إلحاق الضرر بها حقيقية. يجب التوضيح أن قدرات العدو تشمل مجموعة متنوعة من الوسائل بالإضافة إلى الصواريخ، بما في ذلك الطائرات المقاتلة والطائرات بدون طيار الدقيقة والصواريخ الموجهة والصواريخ الكمية بأعداد كبيرة.
  1. تغيير في خطط التدريب: تنوع التدريبات في الدفاع الجوي واسع جداً، ولكن هناك مجال لتحسين مستواها وفقاً لكل وحدة ومنطقة نشاطها، بالإضافة إلى ذلك يوصى بتحسين المعرفة بالمرافق الإستراتيجية الهامة كل وحدة في منطقته الخاصة، بحيث يمكن دمجها في التدريبات بشكل فعال: إدراج المرافق كنقاط حماية داخل الوحدات والمنظومات والتدرب على إطلاق النار الفردي عليها وحتى إطلاق النار الكثيف، وبالتالي القيام بتدريبات روتين وطوارئ. سيؤدي تعديل وملاءمة التدريب لدى الوحدات في الميدان إلى أن يصبح المقاتلون أكثر حدة وفهما للهدف من النشاط بشكل أعمق وأكثر معرفة بالبيئة والقدرة على تقديم استجابة دفاعية مثالية.
  2. تطوير قدرات جديدة: هذه مسألة مبدأ، ولكنها واسعة جداً بحيث لا يمكن تفصيلها في هذه المقالة. بالإضافة إلى التطويرات العديدة والوسائل الجديدة لحماية المنشآت من الضروري الاستمرار في تطوير الأنظمة القائمة وتحسين أدائها، ويمكن أن يؤدي التركيز على حماية المنشآت أيضاً إلى مزيد من التطوير للأنظمة المركزة، وتطوير قدرات وأنظمة جديدة عملية معقدة وطويلة، كما يمكن تعلمه من نظام القبة الحديدية، الذي قطع شوطاً طويلاً منذ أن قيل عنه في البداية إنه محكوم عليه بالفشل. إن الطلبات الأولية لمديرية تطوير البنى التحتية والوسائل التكنولوجية في وزارة الجيش من مطوري النظام أوضحت أنه منذ البداية لن تكون قادرة على التعامل مع العديد من التهديدات التي كانت مخصصة لها.

من المهم التأكيد على أن أي تغيير في أنظمتنا وأي تطوير لأنظمة أسلحة جديدة أو ترقية لقدرات سيؤدي أيضاً إلى قيام العدو بخطوات منها التعلم من جديد عن القدرات الموجودة لدينا، وإجراء التعديلات لديه وفقاً لذلك، وبشكل عام – كرد منه تبدأ عملية بناء قوة جديدة للتعامل مع هذه القدرات.

يعد سلاح الدفاع الجوي شريكاً رئيسياً في حماية المنشآت والمصانع الحيوية، ولكنه ليس وحده في المعركة ويلزم تنسيق بينه وبين جميع الأطراف المشاركة في المهمة، منها سلاح البحرية ووزارة الجيش ووزارة الطاقة لتحقيق أقصى قدر ممكن من القدرات في تنفيذ المهمة.

ملخص

عندما تأتي الحرب القادمة - عن ماذا سندافع؟ ماذا ستكون الأولويات، ومن سيتخذ القرار؟ هل يمكن حسم الحرب بالدفاع وحده؟ وهل من الممكن أن يتوصل "الجيش الإسرائيلي" في يوم من الأيام إلى فهم أنه من المناسب أن من يقوده في الحرب القادمة هو الدفاع؟

في هذا المقال قمت بفحص الأهمية والخصوصية للدفاع الجوي، والذي أصبح في السنوات الأخيرة أداة دفاعية قوية ذات أهمية استراتيجية وطنية لحماية البنى التحتية والمرافق الحيوية للدولة، والتي وظيفتها الحفاظ على الاستمرارية في عمل "الدولة".

بعد فهم التغييرات التي حدثت في دول المواجهة في مختلف الدوائر شهد مفهوم الدفاع الجوي لدى "الجيش الإسرائيلي" ثورة حقيقية، وأن الفهم بأنه لا يمكن الاكتفاء باستخدام الطائرات أو المناورة البرية للقضاء على التهديد، وأنه يلزم الحماية المباشرة لمنع الإصابة قد أدى إلى استخدام تكنولوجيا جديدة، وكما يتضح من تحليل التغييرات التي حدثت في "المفهوم الأمني ​​لدولة إسرائيل" لوحظ بوضوح الحاجة إلى استثمار المزيد والمزيد من الموارد في الدفاع، بينما كان اسم اللعبة حتى ما يقرب من عقد هجوماً.

كجزء لا يتجزأ من نظام الدفاع تم إثبات أهمية المرافق الاستراتيجية التي يتمثل دورها في تمكين استمرار الحياة العادية بما في ذلك من خلال الإمدادات بالغذاء، والمياه والكهرباء والأدوية، هذه الآلية لها أهمية استراتيجية لكل من نظام الدفاع الجوي والدولة كك.

ولتعظيم القدرات الدفاعية نحن مطالبون بمواصلة اليقظة والحفاظ على كفاءة عالية والتدريبات المناسبة كلما أمكن ذلك للاستعداد للتهديد القادم.

في هذا السياق من المثير للاهتمام إعادة النظر وإعادة فحص كلمات والد نظرية التطور "تشارلز داروين"، الذي يؤكد أنه حتى لو لم نصبح أقوياء أو حكماء، طالما نحافظ على الوضوح في عملنا، والتكيف مع التغييرات ونكون مرنين وفقاً لذلك، سنكون قادرين على البقاء.